[المنطقة الصناعية القديمة – منتصف الليل]
صرخت إطارات السيارة السوداء وهي تنزلق بعنف على الحصى، مخلفة سحابة من الغبار والشرار، قبل أن تتوقف فجأة وسط ساحة شاسعة لمصنع مهجور. كانت الهياكل الحديدية الضخمة، المكسوة بطبقات من الصدأ، ترتفع نحو السماء السوداء كأضلاع وحوش أسطورية نفقت منذ قرون. الرياح كانت تعوي عبر الفجوات في الجدران المتهالكة، مصدرة صوتاً يشبه نواح الأشباح في جنازة مهجورة.
توقفتُ خلفهم بمسافة عشرة أمتار بالضبط. حذائي نحت خندقاً صغيراً في الأرض الترابية من شدة الكبح المفاجئ لقوة اندفاعي التي كانت تتحدى قوانين الفيزياء. توقف كل شيء. ساد صمت ثقيل، لزج، ومريب.. صمت يسبق العاصفة التي ستمحو معالم المكان. أبواب السيارة السوداء ظلت مغلقة كالقبر. المحرك انطفأ، والظلام كان دامساً، لا يقطعه سوى صوت لهاثي الغاضب الذي يخرج كبخار أبيض في البرد القارس، وصوت دمي الذي كان يغلي في أذني كهدير شلال من الحمم.
"انزلوا." زمجرتُ بصوت لم أعد أتعرف عليه. كان صوتاً شيطانياً، أجش، ينبعث من أعمق نقطة في الجحيم. "انزلوا لكي أمزقكم قطعة.. قطعة"
وفجأة.. "طق!" صوت قاطع كهربائي ضخم يُرفع من بعيد.
"بزززززت!" في جزء من الثانية، تحول الليل الدامس إلى نهار أبيض مؤلم يعمي الأبصار. عشرات الكشافات الصناعية الضخمة، المثبتة فوق الرافعات وأسطح المباني المتهالكة، سُلطت عليّ دفعة واحدة. شعرتُ بالضوء يخترق مسامي، فرفعتُ ذراعي لأحمي عينيّ المتوهجتين من ذاك الحصار الضوئي الذي جعلني هدفاً واضحاً في دائرة بيضاء.
ومن قلب الظلال المحيطة.. بدأت الأرض تهتز. لم يكونوا ثلاثة فحسب. من خلف الحاويات الصدئة، ومن الأبواب المكسورة للمصنع، ومن فوق الأسطح العالية.. برزوا. جيش كامل من حثالة البشر. رجال عصابات بوجوه مشوهة بالندوب والوشوم، مرتزقة بملابس عسكرية قذرة تفوح منها رائحة الموت، وقتلة مأجورون يحملون سواطير تلمع تحت الضوء، وهراوات حديدية، وبنادق بدائية. لم أستطع عدهم، كانوا مئات.. بحر من الوجوه التي لا تعرف الرحمة، عيونهم تلمع كالضباع التي حاصرت فريسة تظنها جريحة.
[بَدْءُ المَجْزَرَة: رقصة الموت]
لم أنتظر منهم المبادرة. لم أعد أملك ترف الدفاع. انفجرتُ نحوهم كالقذيفة.
كانت البداية دموية بشكل فاق التصور. أول رجل حاول اعتراض طريقي كان يحمل ساطوراً صدئاً. قبل أن يدرك عقله البشري البطيء المسافة بيننا، كانت يدي اليمنى المفتوحة قد غُرست في منتصف صدره. شعرتُ بأصابعي تخترق اللحم والقفص الصدري، وتخرج من ظهره بصرير مقزز. انتزعتُ قلبه النابض بالخوف قبل أن تصل إشارات الألم لدماغه. استخدمتُ جثته المرتخية كدرع بشري لصد ضربة هراوة غادرة، ثم قذفتُ الجثة بقوة حطمت ثلاثة رجال كانوا يركضون خلفه، محولاً إياهم إلى كتلة من العظام واللحم المهروس.
كنتُ أتحرك بسرعة لا تدركها العين المجردة. كنتُ ظلاً أحمر يشق السواد. أمسك برأس أحدهم، وبحركة بسيطة من معصمي، أهشمه على الأرضية الإسمنتية وكأنه بيضة هشة. الدماء كانت تتطاير في الهواء كالنوافير، تصبغ الأرضية الترابية باللون القاني، وتغطي وجهي وشعري وملابسي التي تحولت إلى خرقٍ بالية مشبعة برائحة الموت.
"أطلقوا النار! اقتلوا ذاك الشيطان!" دوى صوت الرصاص. "تاتاتاتاتا!" الرصاصات اخترقت جسدي بانتظام. شعرتُ بها تمزق لحمي في كتفي، وفخذي، وبطني. لكنني.. لم أتوقف. الألم كان موجوداً، لكنه بدا بعيداً جداً، وكأنه يحدث لشخص آخر في عالم آخر. نظرتُ لثقب في ذراعي؛ لم تبقَ الرصاصة في الداخل، العضلات انقبضت من تلقاء نفسها ودفعها للخارج، ثم انغلق الجرح وتصاعد منه بخار أبيض كثيف.
بدأ القتلة يصرخون رعباً. تراجعوا وهم يرون الرصاص يتساقط من جسدي كحبات المطر دون أن يبطئ حركتي. "إنه لا يموت! إنه ليس بشراً!" صرخ أحدهم وهو يلقي سلاحه ويهرب. لكنني كنتُ أسرع من خوفهم. قفزتُ عالياً في الهواء، وهبطتُ في منتصف تجمعهم، ضارباً الأرض بقبضتي. "بوووووم!" موجة صادمة حطمت عظام كل من كان في النطاق وألقتهم كالدمى الممزقة.
وسط هذه البركة من الدماء والأشلاء، انشقّ الصفوف الخلفية المذعورة، وظهر "كانغ". كان يركض بنهج مضطرب، وجهه شاحب كالموت، والضمادة على أنفه كانت ملوثة بالتراب. لم يكن يمشي بخيلاء هذه المرة، بل كان يرتجف وهو يرى المجزرة التي ارتكبتها.
عندما وقعت عيناه على الجثث الممزقة، ثم على عينيّ الحمراوين اللتين تشعان بضوء شيطاني، سقط على ركبتيه فوق الأرض اللزجة.
"راي!! توقف!! اسمعني!!" صرخ كانغ بصوت مبحوح، مليء بالرعب واليأس. "أقسم لك.. أقسم بكل ما هو مقدس.. أنني لم أقل لهم أن يحرقوا المنزل!! لم يكن هذا الاتفاق!!"
توقفتُ مكاني، والدم يقطر من أصابعي. نظرتُ إليه ببرود صاعق.
"أنا فقط.. أردتُ تلقينك درساً! أردتُ تخويفك!" تابع كانغ وهو يبكي بهستيرية، وجسده يهتز. "هم من فعلوها!! هؤلاء المرتزقة.. قالوا إن الحريق سيجعل الأمر أسهل لسحبك للخارج! صرختُ فيهم ليتوقفوا لكنهم لم يستمعوا لي! أقسم أنني لم أرد قتل والديك! أنا.. أنا متنمر، لستُ قاتلاً!!"
ساد صمت مرير. تذكرتُ يد أبي المتفحمة وهي تمسك يد أمي. تذكرتُ ضحكاتهما التي احترقت بسبب "درس" أراد هذا الفتى تلقيني إياه. الغضب الذي بداخلي لم يهدأ لسماع تبريره، بل تحول من غضب مشتعل إلى "برد مطلق".
"كانغ." همستُ، وصوتي كان كحفيف الرياح فوق القبور. "سواء كنتَ أنت من أشعل الكبريت، أو هم.. النتيجة واحدة. لقد رحلا. وأنت.. أنت من فتحت باب الجحيم"
"لا! راي! أرجوك!!" صرخ كانغ وهو يزحف للخلف، وقد بدأت بقعة مبللة تنتشر في بنطاله من شدة الرعب. "والدي سيعطيك أي شيء! المال.. السلطة.. فقط اتركني أعيش!!"
مشيتُ نحوه ببطء. لم تكن هناك رحمة في قلبي، بل كان هناك "فراغ" يسع العالم بأسره. رفعته من عنقه بيد واحدة. "إلى الجحيم." قلتُها ببرود، وقبل أن يكمل صرخته، حطمتُ حنجرته بضغطة واحدة من أصابعي، ورميتُ جسده كأنه خرقة بالية وسط الجثث. لقد مات وهو يحمل حقيقته المتأخرة، الحقيقة التي لم تعد تغير من سواد العالم شيئاً.
بمجرد سقوط كانغ، شعرتُ بالكون يدور حولي. الجرعات الهائلة من الأدرينالين، والتجدد المستمر لمئات الثقوب في جسدي، واستنزاف الطاقة النفسية.. كلها طالبت بثمنها الآن. انطفأت الكشافات في عينيّ، وشعرتُ بضعف قاتل يغزو أطرافي.
ركبتاي ارتطمتا بالأرض اللزجة بدم القتلى. سقطتُ على وجهي وسط المستنقع القاني. لم أعد أقوى على تحريك إصبع واحد.
"راااااي!!"
صوت بعيد.. مألوف.. مليء بالفزع الحقيقي. حاولتُ فتح عيني الملتصقة بالدم الجاف. رأيتُ أضواء زرقاء وحمراء دوارة (سيارات شرطة) تملأ المكان بوميضها المشؤوم. ورأيتُ "جين" يركض نحوي بجنون، يقفز فوق الجثث الممزقة، غير مبالٍ بالدم الذي يلطخ ثيابه. خلفه، كان هناك رجال شرطة مدججون بالسلاح، توقفوا فجأة في أماكنهم، وانحنوا ليتقيؤوا من هول المشهد الذي لا يمكن لعقل بشري استيعابه.
وصل جين إليّ، وانزلق على ركبتيه في وسط بركة الدماء. "راي! يا إلهي! ماذا فعلت؟!" صرخ وهو يهزني، والدموع تنهمر من عينيه بغزارة. وضع يده على صدري الممزق. "النبض.. النبض يتلاشى!! جراحك لا تنغلق!! ساعدوه!! أرجوكم!!" صرخ بالشرطة بصوت ممزق يخلع القلب.
نظرتُ لوجه جين الباكي.. كان يبدو كأنه يتلاشى في الضباب. "جين." حاولتُ تحريك شفتي، لكن لم يخرج صوت. أردتُ أن أقول له إنني لست الشخص الذي عرفه. أردتُ أن أقول له إنني آسف لأنني جعلته يرى هذا القبح. ولكن.. الظلام كان أسرع. أطبقت جفوني، وتوقف كل شيء. الألم.. الصوت.. الوجود.
استيقظ وعيي في مكان غريب. لم يكن هناك مستشفى، ولا دماء، ولا شرطة. كنتُ في فراغ أسود مطلق، لا حدود له، ولا أرض، ولا سماء. كنتُ مجرد "نقطة وعي" تسبح في اللا شيء.
"هل هذه هي النهاية؟" فكرتُ بسلام بارد. "أخيراً.. سأرتاح"
ولكن.. فجأة.. شقّ الظلام ضوء أزرق إلكتروني ساطع. ظهرت نافذة مربعة ضخمة تطفو أمامي في العدم، تشع بهالة تقنية مقدسة ومرعبة في آن واحد. كلمات كُتبت بخط أبيض متوهج:
الجسد المادي : قدمر بالكامل
الرتبة : مرشح مثالي لم يكتمل
وتحت الجدول، ومض سؤال واحد باللون الذهبي، ينتظر إجابتي ليحدد مسار وجودي القادم:
[بروتوكول الطوارئ: هل تريد بدء "وضع التدريب" لاستعادة الوعي المادي وامتلاك القوة المطلقة؟]
[ نعم ] / [ لا ]
نظرتُ للكلمة. تذكرتُ دموع جين.. تذكرتُ جسد والديّ المحترق.. تذكرتُ تبرير كانغ الجبان. إذا كان هذا العالم محكوماً بالقوة والدم، وإذا كان عليّ أن أتوقف عن كوني بشراً لكي أحقق العدالة في غابة البشر.. فليكن.
مددتُ يدي (التي تشكلت الآن من نور أزرق) نحو كلمة [ نعم ].
[تم القبول. جاري نقل الوعي إلى: "الأبواب الستة".] [ملاحظة: بمجرد الدخول، لن تعود كما كنت.. أبداً.]