لم يكن هناك باب بمعنى الكلمة، ولا عتبة، ولا حتى لحظة انتقال محسوسة. الأمر أشبه بأن تكون في وسط غرفة صاخبة، وفجأة، ودون سابق إنذار، يتم إطفاء الكون بأكمله. سرق البياض كل شيء. لم يكن بياضاً عادياً كبياض الورق أو الثلج، بل كان بياضاً "مطلقاً"، عدوانياً، يمحو الأبعاد والاتجاهات. لا فوق، لا تحت، لا يمين، لا يسار. مجرد فراغ ناصع يمتد إلى ما لا نهاية، يبتلع الضوء والصوت والزمن.

نظرتُ أمامي.. أو حاولت أن أنظر. رأيتُ يدي الممتدة. في البداية، بدت طبيعية. الجلد الأسمر الشاحب، الخطوط الدقيقة على راحة اليد، الأظافر المقصوصة بعناية. لكن ثم.. بدأ "المسح". بدأت أطراف أصابعي تتلاشى. لم تكن تذوب، ولم تكن تحترق، ولم تتحول لغبار. كانت ببساطة تتوقف عن الوجود. الواقع كان يمسحني ببرود، وكأنني خطأ مطبعي في صفحة كتاب كوني، وممحاة الإله تمر عليّ الآن. اختفت الأصابع. ثم الكف. ثم المعصم. زحف العدم صعوداً إلى ذراعي، يلتهم الجلد واللحم والعظم دون ألم، ودون صوت. حاولتُ الصراخ. فتحتُ فمي لأطلق صرخة رعب بدائية، لكن الصوت مات قبل أن يولد. لأنه لم يعد لدي حنجرة. لم يعد لدي رئتان لضخ الهواء. لم يعد لدي فم. تلاشى صدري. تلاشت ساقاي. وفي النهاية.. تلاشت عيناي.

اختفى "راي". لم يعد هناك جسد. لم تعد هناك دماء تجري، ولا قلب ينبض، ولا أعصاب تنقل الإشارات. ما تبقى مني كان شيئاً مجرداً تماماً. أصبحتُ "فكرة". نقطة وعي عارية، معلقة في هذا الفراغ الأبيض السرمدي، تطفو بلا هدف، بلا ثقل، وبلا هوية. هل مت؟ هل هذه هي الحياة الآخرة؟ أم أنني عالق في الفجوة بين الوجود والعدم؟ حاولتُ التفكير، لكن التفكير بدون دماغ كان عملية غريبة ومؤلمة. الأفكار لم تكن كلمات في رأسي، بل كانت "مفاهيم" تومض وتنطفئ. الخوف. الوحدة. الضياع. مر وقت طويل. ربما ثوانٍ، وربما قرون. في هذا المكان، الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل نقطة واحدة متجمدة.

ثم.. نبتت الحقيقة في وعيي فجأة، حادة وباردة كشفرة سكين جراحي. جملة واحدة لم يقلها أحد، لكنها طُبعت في كياني: (قبل أن تقاتل الآلهة.. يجب أن تتعلم كيف "توجد".)

وفجأة، عاد البصر. أو بالأحرى، عاد "الإدراك البصري". لم أكن أنظر بعيون فيزيائية، بل كنتُ أرى بوعيي المباشر. نظرتُ للأسفل. هناك، في وسط هذا اللاشيء الأبيض النقي، كانت توجد "الكومة". مشهد جعل روحي (إن كانت لا تزال موجودة) ترتجف اشمئزازاً ورعباً.

كومة من العظام. بيضاء، جافة، قديمة، وباردة. ملقاة بإهمال فوق بعضها البعض كأنها بقايا وجبة لوحش عملاق لم يعجبه طعمها فبصقها. رأيتُ الجمجمة تتدحرج بعيداً، فاغرة الفم بفك مفكوك، محاجر العيون سوداء وفارغة تحدق في العدم. رأيتُ القفص الصدري مهشماً، الأضلاع مبعثرة مثل عيدان خشبية مكسورة. عظام الفخذ الطويلة، الفقرات الصغيرة المعقدة، عظام الأصابع الدقيقة.. كلها مختلطة في فوضى عارمة. هذا أنا؟ هذه الكومة الجيرية البائسة هي ما تبقى من "راي"؟ هل هذا هو الأساس الذي سأبني عليه مجدي؟

(اجمع شتاتك.) الأمر جاء كإلهام قسري. لم يكن هناك دليل إرشادات. لم يكن هناك معلم. كان عليّ أن أبني نفسي بنفسي. من الصفر.

حاولتُ الاقتراب من الكومة. لكن.. كيف تتحرك وأنت بلا أطراف؟ كيف تمسك عظمة وأنت بلا يدين؟ كان عليّ أن أكتشف طريقة جديدة للتفاعل مع المادة. "الإرادة". هنا، الإرادة هي اليد، وهي العضلة، وهي الرافعة. ركزتُ كل ذرة من تركيزي على "عظمة الفخذ اليمنى". كانت الأكبر والأثقل. (تحركي..) أمرتها بذهني. لم يحدث شيء. العظمة ظلت ساكنة، ميتة، تعاندني بجمودها. (تحركي أيتها اللعينة! ارتفعي!) صرختُ بوعيي، ضاغطاً بكل طاقتي الذهنية، وكأنني أحاول دفع جبل. ارتجفت العظمة. اهتزت في مكانها قليلاً، مصدرة صوت احتكاك خافت بالعظام تحتها. ثم.. ببطء شديد ومؤلم.. طفت. ارتفعت في الفراغ الأبيض، تترنح وتدور ببطء. كانت "ثقيلة". ليس ثقلاً فيزيائياً، بل ثقلاً عقلياً. شعرتُ وكأنني أحمل وزن العالم بذهني. العرق الوهمي بدأ يتصبب مني.

وجهتها نحو "عظمة الحوض". كان الحوض ملقى بشكل مقلوب. عدلته بصعوبة. الآن.. التحدي الهندسي. كان عليّ أن أدخل "رأس الفخذ" الكروي في "التجويف الحقي" للحوض. قربتهما من بعضهما. لم يكن هناك غضاريف ناعمة لتسهل الحركة. لم يكن هناك سائل زلالي ليمتص الصدمة. كان عظماً جافاً ضد عظم جاف. "كـــــرّرررك!" الصوت. يا إلهي، الصوت. صوت احتكاك العظم الجاف ببعضه دوى في صميم روحي كصوت أظافر عملاقة تُكشط ببطء على سبورة سوداء، مضخماً ألف مرة. صوت "الموت" الخام والمجرد. ارتجف وعيي من بشاعة الصوت. فقدتُ تركيزي للحظة. انزلقت العظمة. سقطت الفخذ واصطدمت بالكومة مجدداً، مبعثرة عظام الأصابع الصغيرة في كل مكان.

"تباً.." صرختُ بفكري، صوتي يتردد في الفراغ بلا صدى. "تباً لهذا! تباً لهذا الاختبار!" شعرتُ باليأس. بالإحباط الذي يدفع للجنون. لكنني لم أملك خياراً. لا يوجد مخرج إلا عبر هذا الجسد. أعدتُ الكرة. التقطتُ الفخذ مرة أخرى. ثبتتُ الحوض. هذه المرة، كنتُ أكثر حذراً. أكثر دقة. "كليك". استقر العظم في مكانه. لم يسقط. شعرتُ بموجة غريبة من الرضا.. ممزوجة بالاشمئزاز. لقد ركبتُ أول قطعة في زنزانتي.

وبدأت الملحمة. كم مر من الوقت؟ ساعة؟ يوم؟ سنة؟ قرن؟ في الفراغ الأبيض، الزمن مجرد نكتة سخيفة. العملة الوحيدة المتداولة هنا هي "الألم" و"الصبر". كنتُ ألعب "ليغو" من الجحيم، والقطع هي رفاتي. بدأتُ بالعمود الفقري. ثلاثة وثلاثون فقرة. كل واحدة لها شكل مختلف، ومكان محدد، وزاوية انحناء دقيقة. إذا أخطأت في ترتيب فقرة واحدة، سينهار الهيكل كله، أو سأعيش مشلولاً للأبد. كنتُ أرص الفقرات فوق بعضها.. واحدة تلو الأخرى. القطنية العريضة في الأسفل.. الصدرية في الوسط.. العنقية الدقيقة في الأعلى. بين كل فقرة وأخرى، كان عليّ أن أتخيل "الديسك" الغضروفي وأصنعه من لا شيء لكي لا يحتك العظم. انهار العمود الفقري ثلاث مرات. في المرة الأولى، صرختُ غضباً. في المرة الثانية، بكيتُ يأساً (بلا دموع). في المرة الثالثة.. صمتُ. وتعلمتُ الصبر البارد للموتى.

ركبتُ القفص الصدري. الأضلاع المقوسة التي ستحمي قلباً غير موجود بعد. ركبتُ الأذرع.. الساقين.. مفاصل الركبة المعقدة.. عظام الرسغ الكثيرة التي تشبه الحصى. وأخيراً.. الجمجمة. توجتُ بها الهيكل. الفك السفلي طق في مكانه. وقف الهيكل أمامي. طويلاً، أبيض، صامتاً، ومرعباً. كان يطفو في الفراغ كتمثال للموت. ظننتُ أنني انتهيت. ظننتُ أن الجزء الصعب قد مر. كم كنتُ ساذجاً.

فجأة.. ظهرت "الخيوط". من العدم، بدأت تظهر حولي شبكة معقدة، دقيقة، ولزجة من الخيوط الشفافة التي تشع بضوء أزرق كهربائي خافت. كانت تتلوى في الفراغ كديدان مضيئة، أو كثعابين كهربائية تبحث عن فريسة. الأعصاب. النظام العصبي المركزي والطرفي. أدركتُ المهمة فوراً، وشعرتُ برعب حقيقي لأول مرة. كان عليّ أن أدخل "الحبل الشوكي" الرقيق والقاتل داخل قناة العمود الفقري الضيقة التي بنيتها. وكان عليّ أن أمرر كل عصب دقيق عبر الثقوب العظمية المخصصة له في الجمجمة والأطراف.

اقتربتُ بوعيي من طرف العصب الرئيسي (النخاع الشوكي). نسيتُ.. في غمرة التركيز والتعب، نسيتُ أنني الآن "وعي خالص"، وأن العصب هو "مادة الألم الخام". إنه السلك الذي ينقل الوجع. وهو الآن عارٍ، مكشوف، وحساس لدرجة الجنون. لمسته بفكري لأسحبه.

!!!!!!!!!!

انفرط الكون. لم يكن ألماً. كلمة "ألم" هي تقليل سخيف ومهين لوصف ما حدث. كانت "إبادة". شعرتُ وكأنني ابتلعت نجماً نيوترونياً وانفجر داخل كياني. وكأن ملايين الإبر المغموسة في الأسيد المغلي والكهرباء السائلة غُرزت في بؤرة إدراكي في جزء من الألف من الثانية. لم أصرخ.. لأن الصراخ يتطلب صوتاً، وهذا الألم كان أكبر من الصوت. تذوقتُ طعم الحديد في فمي الوهمي. شممتُ رائحة لحم يحترق. رأيتُ اللون الأبيض يتحول لأحمر قانٍ. اهتز كياني كله بعنف. انتفض الهيكل العظمي الذي بنيته بصعوبة بالغة، وتناثرت عظامه مجدداً في الفراغ، متطايرة في كل اتجاه.

عدتُ للصفر. العمود الفقري تهشم. الأضلاع تكسرت. أردتُ أن أتقيأ، لكن ليس لي معدة. أردتُ أن أفقد الوعي، لكن ليس لي دماغ ليغلق. كنتُ مجبراً على "وعي" العذاب بكل تفاصيله. كنتُ سجناً لنفسي.

"مرة أخرى.." همستُ لنفسي بعد زمن طويل من الارتجاف. صوتي الداخلي كان ضعيفاً، مرتعشاً، ومليئاً بالخوف. نظرتُ لتلك الخيوط الزرقاء الجميلة والقاتلة برعب. "هذه المرة.. لا تلمسها مباشرة.. وجهها فقط.. كن الجراح والمريض في آن واحد.. تعامل معها كقنبلة نووية."

بدأتُ العمل مجدداً. أعدتُ بناء الهيكل العظمي بسرعة أكبر هذه المرة، لكن يدي الذهنية كانت ترتجف. ثم جاء دور الأعصاب. أمسكتُ طرف الحبل الشوكي بحذر شديد، دون أن "ألمسه" بوعيي، بل أحطتُ به بهالة من الإرادة. أدخلته في الفقرة الأولى. "مر بسلام." الفقرة الثانية. الثالثة. كانت عملية دقيقة كجراحة المخ. أي خطأ، أي احتكاك بسيط بين العصب العاري والعظم الخشن، كان يعني صعقة تجعلني أتمنى الفناء ولا أجده. كنتُ أمرر الأسلاك في الجدران. أعصاب الذراع.. الضفيرة العضدية.. العصب الوركي السميك.. الأعصاب القحفية الدقيقة التي تخرج من الجمجمة. كل عصب كان لغماً موقوتاً. كل ثانية كانت دهراً من التوتر.

ومرت الدهور. وانتصب الهيكل أمامي أخيراً. لم يعد مجرد عظام. كان قفصاً أبيض، يتخلله ضوء أزرق خافت وجميل من الشبكة العصبية المعقدة التي تتفرع داخله كشجرة مقلوبة من البرق. كان ينبض بانتظار الإشارة. بانتظار اللحم. بدا مرعباً في سكونه. بدا هشاً بشكل يثير الشفقة. بدا وكأنه فخ.. وأنا الفأر الذي يجب أن يدخله.

2026/01/11 · 11 مشاهدة · 1351 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026