الهيكل العظمي ينتظر. وقفة الموت الصامتة في هذا الفراغ الأبيض كانت تزداد ثقلاً. ذاك الهيكل الذي شيدتُه بدمي ووعيي، المضيء بالأعصاب الزرقاء التي تومض كبرقٍ محبوس، كان يطفو أمامي كتحفة فنية من الألم الهندسي الخالص. لكن العمل لم ينتهِ بعد. لقد انتهى الجزء "الجاف"؛ الجزء الذي يتعامل مع الحجر والصلابة. الآن، جاء دور "البلل". العفن العكسي، الحياة القذرة بكل لزوجتها وحرارتها المقززة.
بدأت الأنسجة تظهر من العدم، لم تكن جاهزة لألصقها فحسب، بل كان عليّ أن أكون أنا "المنشئ" و"المادة" في آن واحد. خيوط رفيعة، حمراء، رطبة، تتقاطر دماء وهمية لا تجف، بدأت تطفو حولي كشرائط من الحرير الدموي. العضلات. كان عليّ أن أكون "الحائك" الذي لا يرحم؛ أن أنسج اللحم فوق العظم، خيطاً تلو الآخر، ليفاً تلو ليف.
أمسكتُ بأول ليفٍ عضلي. كانت زلقة، دافئة، ورائحتها نفاذة تشبه رائحة اللحم النيء في محلات الجزارة المنسية. ثبتتُ طرفها في عظم الكتف.. مددتها ببطء وحذر شديدين.. ثبتتُ الطرف الآخر في عظم العضد. "شدها جيداً." فكرتُ بجهلٍ مطبق، "يجب أن تكون قوية بما يكفي لتحطيم الجدران" شددتها أكثر مما يتحمله منطق الألياف.
"طـــــق!"
صوت تمزق مقزز رنّ في أذني. انقطع الوتر الجديد من المنتصف، وارتدّ طرفه بقوة هائلة ليضرب العصب الأزرق المكشوف تحته بـ "لسعة" مباشرة. صرختُ بصمت كاد يفتك وعيي من شدة الصدمة العصبية. لم يكن ألماً جسدياً عادياً، بل كان صدمة كهربائية ضربت جوهر وجودي. الدرس الأول في هذا الجحيم: اللحم ليس مطاطاً، اللحم هش، يتمزق تحت وطأة الطموح الزائد. عليك أن تحترم "ضعف" المادة لكي تحصل على قوتها.
بدأت أنسج جسدي بتواضع أكبر، بل برعب خفي. لم أعد أطمح للجمال المثالي أو القوة السامية؛ كنتُ فقط أريد لهذا الكابوس أن ينتهي، كنتُ أريد وعاءً يحويني. طبقة تلو الأخرى.. العضلات العميقة أولاً، تلك التي تلتف حول العظام كالأفاعي المخلصة، ثم العضلات السطحية التي ستمنحني الحركة.
رائحة الحديد، الصدأ، والدم الدافئ بدأت تخنق وعيي. كنتُ أشعر بـ "لزوجة" عملية المنشئ تحت أظافري الوهمية. صوت الالتصاق عندما تلامس العضلة العظم كان يصدر رنيناً (سبلاش) خافتاً ومقززاً يثير الغثيان. نسجتُ الفخذين الضخمين، نسجتُ الظهر بتعقيداته التي تشبه المتاهة، ونسجتُ عضلات الرقبة الرقيقة. بدا الجسد الآن كمسلخ متنقل؛ أحمر قاني، عارياً، ومخيفاً كجثة سُلخت حية.
ثم.. جاء دور "الأحشاء". تلك الأكياس الرخوة، الزلقة، والداكنة التي ستكون مصفاتي للبقاء. ظهرت الأعضاء تطفو أمامي ككواكب في سماء دموية. أمسكتُ بـ "الكبد". كان ثقيلاً ومترهلاً بشكل مفاجئ، لونه بني داكن يميل للسواد، وملمسه دهني وزلق كسمكة ميتة ضخمة. كان ينزلق من بين أصابع وعيي. حاولتُ حشره في مكانه تحت القفص الصدري في الجهة اليمنى، لكن المكان كان ضيقاً! أضلاعي التي ركبتها بعناية كانت تضغط عليه وترفض دخوله.
"ادخل.. ادخل أيها اللعين!" دفعتُ بكل ما أملك من غضب. لم يتزحزح. اضطررتُ في لحظة جنون لكسر ضلعين بيدي لكي أفسح له المجال.
"كرااااك!"
صوت طقطقة عظامي التي كسرتها بنفسي جعلني أشعر بتقيؤ روحي. دفعتُ الكبد للداخل بعنف، ثم أجبرتُ الضلوع على الالتحام مرة أخرى، حابساً إياه في سجنه العظمي للأبد. ثم جاءت الرئتان؛ أكياس إسفنجية وردية، تبدو هشة كبتلات الزهور. وضعتها بحذر في القفص الصدري. ثم القلب.. تلك المضخة التي ستكون طبلة حربي. كان صامتاً، ينتظر الشرارة. وصلته بالأوعية الكبرى.. ثم الأمعاء. متاهة لا نهائية من الأنابيب الرمادية الرطبة ذات الرائحة الكريهة. حشرتها عشوائياً في تجويف الحوض، وضغطت عليها بقوة حتى استقرت.
"سينزف." فكرتُ ببرود وعدم مبالاة بينما كنتُ أربط الشرايين، "فلينزف.. المهم أن يعمل هذا الشيء لمرة واحدة" كنتُ جزاراً فاشلاً، والضحية كانت أنا.
أخيراً.. الجلد. مددتُ الطبقة الأخيرة، الغطاء الشاحب الذي سيستر هذه المجزرة الداخلية. غطيتُ الفوضى الدموية بوشاح من الجلد، حتى استقرّ أمامي شيء يشبه البشر.
بقي العضو الأهم. التاج. الدماغ. الكتلة الرمادية الهلامية المليئة بالتلافيف التي ستحمل كل لعناتي وذكرياتي. حملته بحذر يفوق الوصف، وكأنني أحمل قنبلة موقوتة ستمحو الوجود لو سقطت. وضعته داخل تجويف الجمجمة، وصلته بالحبل الشوكي في لحظة رعب تقني.. ثم أغلقتُ غطاء الجمجمة العظمي بإحكام.
تحذير: هذا الفصل مسروق إذا كنت لا تقرأه الآن على موقع مركز الروايات الأصلي. markazriwayat.com
الآن.. جاءت الخطوة التي لا عودة منها. الاندماج. كان عليّ أن أغادر هذا الفراغ اللامتناهي، وأحشر "أنا" الكوني الحر داخل هذا الصندوق اللحمي الضيق، المظلم، والرطب.
اقتربتُ من الجسد المعلق. كان يبدو كجثة هامدة في مشرحة باردة. وجهه شاحب، عيناه مغلقتان كأبواب مهجورة، وصدره ساكن لا يعرف نَفَس الحياة. شعرتُ برهاب الأماكن الضيقة يمزق وعيي؛ سأكون محبوساً هناك، تحت هذا الجلد الرقيق، محاطاً بسوائل لزجة ودماء داكنة. سأفقد حريتي، وسأخضع مرة أخرى لسلطة الجوع، والجاذبية، والألم.
"ادخل.. وإلا ستتلاشى في العدم." هشّ الصوت الداخلي بصرامة.
أغمضتُ عين عقلي، جمعتُ شتات وجودي في نقطة واحدة متناهية الصغر، واندفعتُ بكل قوتي نحو الدماغ الرمادي الساكن.
في اللحظة التي التحمت فيها الروح بالمادة، لم أشعر بالكمال، بل شعرتُ وكأنني دُفنت حياً تحت أطنان من التراب الرطب والخرسانة المسلحة. السقف سقط فوقي، والجدران أطبقت على صدري. الثقل.. الثقل لم يكن بشرياً! الجاذبية سحقتني للأسفل بقوة جعلتني أشعر بأن عظامي ستخترق جلدي. السوائل ملأت أذني وفمي، وكأنني أغرق داخل جسدي الخاص.
"هق.. كحححححح! كحححح!"
شهقة عنيفة، كصرخة ولادة مشوهة، مزقت سكون الفراغ. دخل الهواء لأول مرة إلى رئتيّ الجافتين، حارقاً إياهما كأنه غاز حمضي. شعرتُ وكأنني أستنشق شفرات حلاقة مسنونة. سقطتُ على ركبتي فوق الأرضية البيضاء الصلبة، وأنا أسعل بهستيرية، وأبصق سائلاً أسوداً لزجاً — بقايا عملية التخليق — كان يخرج من جوفي كالقطران.
"كححح! آآآه..." صوت أنيني كان غريباً؛ خشناً، مشروخاً، وغير بشري بالمرة.
حاولتُ فتح عينيّ. الجفون كانت ملتصقة بمادة غروية. فتحتهما بصعوبة بالغة، لتكون الرؤية مشوشة، حمراء، وضبابية، وكأنني أنظر للعالم من خلال طبقة من الدم المتخثر. أذناي.. طنين يصمّ الرأس، ثم بدأ صوت دقات قلبي الجديد يضرب في جمجمتي كمطرقة حديدية فوق سندان. دوم.. دوم.. دوم.. القلب يعمل.. اللعنة، إنه يعمل حقاً.
جسدي.. ثقيل. ثقيل لدرجة القرف. كل حركة صغيرة تتطلب مجهوداً جباراً من الإرادة. حاولتُ الوقوف، أعطيتُ الأمر لساقي اليسرى، لكنها خانتني. يبدو أنني ركبتُ أحد الأعصاب بزاوية خاطئة، أو أن العضلة لم تكن مشدودة بما يكفي. التوت ساقي تحت ثقلي بشكل مقزز، وسقطتُ على وجهي في بركة القيء الأسود التي بصقتها للتو.
رفعتُ رأسي بصعوبة، واللعاب الممزوج بالدم يسيل من فمي. رفعتُ يدي أمام وجهي؛ كانت ترتجف بشكل إرادي وعنيف. العضلات تحت الجلد كانت تختلج وتتموج بتشنجات مؤلمة لأن التوزيع الكهربائي للأعصاب لم يكن دقيقاً. الأصابع كانت تلتوي وتتحرك بعشوائية كعناكب تحتضر.
"هل.. هل هـ.. ذا جـ.. سدي؟" خرج صوتي مبحوحاً، مكسوراً، ومقطعاً، كأنه صوت آلة قديمة تالفة تحاول تقليد البشر.
نظرتُ حولي بعينيّ الدامعتين. لم تكن هناك شاشات زرقاء لتهنئني بالنجاح. لم يكن هناك تصفيق. فقط أنا.. عارٍ، مغطى بسوائل المنشئ المقززة، أرتجف برداً وألماً في غرفة بيضاء صامتة لا نهاية لها. لقد صنعتُ وحشاً بيدي.. والمصيبة الكبرى أنني الآن محبوس داخل أحشائه، ولا أملك مفتاح الخروج.
[تم اكتمال المزامنة الجسدية: 100%]
[الحالة: غير مستقرة – يرجى البدء في "التكيف مع الألم" فوراً.]
ابتسمتُ بمرارة والدم يسيل من شفتي.. "التكيف مع الألم"؟ يبدو أن هذه هي الوظيفة الوحيدة التي سأتقنها في هذا العالم الجديد.