الهواء.. لم يكن نسيماً، ولم يكن حياة. كان أول شيء أدركه وعي المصدوم هو "الانتهاك". انتهاك الفراغ الذي كان يسكن صدري. لم يدخل الأكسجين إلى رئتي الجديدتين كضيف لطيف، بل دخل كشفرات حلاقة جليدية تجرح الحنجرة التي نسجتها بيدي قبل قليل. انتفضت رئتاي، تلك الأكياس الإسفنجية التي حشرتها بين أضلاعي، في محاولة هستيرية لطرد السائل اللزج — بقايا "محلول المنشئ" — الذي كان يملأ تجاويفهما.
"كحححح.. هق.. كحج!"
كان صوت سعالي مرعباً في أذني. لم يكن ذاك السعال المبحوح الضعيف الذي اعتاد عليه "راي" القديم عندما كان يُصاب بالبرد؛ كان صوتاً أجش، عميقاً، يخرج من قاع تجويف صدري واسع. شعرت بشيء مكسور يهتز داخل قفصي الصدري، رنين معدني خفي يخبرني أن الآلة لم تكتمل بعد.
حاولت فتح عيني، لكن الضوء في هذه الغرفة البيضاء اللعينة كان عدواً. شعرت وكأن مسامير من النور تُدق في مؤخرة رأسي. الرؤية كانت مشوشة، بقع حمراء وصفراء تسبح في أفق ضبابي. يبدو أنني في غمرة "جنوني الإنشائي" لم أضبط ضغط السائل الزجاجي داخل مقلة العين بدقة، مما جعل كل فوتون ضوء يتحول إلى طعنة سكين في شبكيتي.
استلقيت هناك، عارياً فوق الأرضية الباردة، وجسدي يرتجف بتشنجات غير إرادية. في تلك اللحظة، وبينما كنت أحاول فهم ميكانيكا جهازي العصبي الجديد، هاجمتني ذكريات "الجسد القديم".
تذكرت جسدي الورقي. ذاك الهيكل الهزيل الذي كان يرتعد خلف خزانة المدرسة كلما اقترب "كانغ". تذكرت كيف كان جلدي شاحباً ورقيقاً لدرجة أن عروقي الزرقاء كانت تبدو كخريطة للهزيمة. تذكرت ملمس قبضة كانغ وهي تخترق أضلاعي "الهشة".. كان صوت تكسر عظامي القديمة يشبه تكسر أعواد الثقاب اليابسة.
في ذلك الوقت، كان جسدي "سجناً". كنت أحقد على كل ليفة عضلية ضعيفة فشلت في دفع المعتدين. كنت أكره قصر قامتي الذي جعلني أبدو كقزم أمام عمالقة التنمر. تذكرت المرات التي سقطت فيها في طين الساحة، وكيف كان وزني خفيفاً لدرجة أنهم كانوا يتقاذفوني ككرة مهترئة.
الآن.. تحسست الأرض تحتي بيدي الجديدة. لم تكن أصابعاً نحيلة مرتجفة؛ كانت "مخالب" مغطاة باللحم الكثيف. العظام تحت جلدي لم تعد أعواد ثقاب؛ كانت أعمدة من الكالسيوم المركز والتروس الحيوية. لكن المفارقة المضحكة.. أن هذا الجسد "القوي" كان الآن مشلولاً بفعل غبائي.
"تحرك." أمرت نفسي. "انهض يا بقايا البشر"
أرسلت الإشارة الكهربائية من دماغي إلى ذراعي اليمنى، آمراً إياها بأن تدفع جسدي الثقيل عن الأرض. وبدلاً من أن ترتفع ذراعي ببطولة، حدث ما هو مرعب: انقبضت عضلات بطني وعضلات فخذي الأيسر بعنف صاعق، مما جعل جسدي يلتوي كسمكة خارج الماء، وتقيأت مرة أخرى سائلاً أسوداً ممزوجاً بقطع من الأنسجة غير المكتملة.
تنبيه: فشل كارثي في المزامنة العصبية.] [نسبة الخطأ في رسم الخرائط الحركية: 18%.] [تحذير: المسارات العصبية متداخلة. الحركات العشوائية قد تؤدي لخلع المفاصل أو تمزق الأوتار.]
الكلمات ظهرت محفورة باللون الأحمر القاني على جفون عيني المغلقة، وكأن النظام يسخر من "الجزار" الذي صنع نفسه.
"اللعنة." همست، والدم يسيل من شفتي التي عضضتها دون قصد. "لقد شبكت الأسلاك بشكل خاطئ. عقلي لا يزال يحاول قيادة هذا العملاق بخرائط الجسد الضعيف القديم"
عندما كنت "وعياً" يطفو في الفراغ، بدا كل شيء سهلاً كمعادلة رياضية. العصب (أ) يتصل بالعضلة (ب). لكن الواقع الآن مختلف؛ أنا داخل الآلة، والأزرار كلها قد تم خلطها في لحظة رعب. أريد تحريك إصبعي، فينغلق فكي بقوة كادت تُحطم أسناني. أريد التنفس بعمق، فتنتفض ساقي اليمنى لتضرب الجدار بقوة جعلت صدى تحطم العظم يتردد في الغرفة.
كنت كطيار مبتدئ وُجد نفسه فجأة في قمرة قيادة طائرة نفاثة تسقط نحو الهاوية، وكلما حاول سحب المقود، اشتعلت المحركات الخلفية أو انطلقت الصواريخ عشوائياً.
"زنننننننننننن!"
بدأ صوت أزيز ميكانيكي حاد يملأ الغرفة البيضاء، صوت يمزق الأعصاب. نظرت بطرف عيني المشوشة نحو الزوايا. الجدران التي كانت بيضاء ناصعة بدأت تتوهج باللون الأحمر المشؤوم. ارتفعت درجة الحرارة فجأة، وشعرت بالهواء يصبح ثقيلاً وخانقاً.
[بروتوكول التنظيف الحراري: تفعيل.] [السبب: وجود كائن حي غير مستقر / فشل في التخليق.] [سيتم حرق الغرفة وما فيها خلال: 180 ثانية.]
"لا.. لا تمزح معي!" حاولت الزحف، لكن يدي انغرست في الأرضية التي بدأت تصبح لينة بفعل الحرارة.
كان عليّ أن "أعيد برمجة" دماغي الآن، وفوراً. يجب أن أنسى تماماً كيف كنت أتحرك كبشر سابق. يجب أن أتخلص من "ذاكرة الضعف" التي تجعلني أحاول تقليص جسدي خوفاً من الضربات. في هذا الجسد، لا مكان للانكماش.
أغمضت عيني، وتجاهلت ألم الحرق الذي بدأ يلسع جلدي الجديد. غصت بوعيي إلى الداخل، نحو "لوحة التحكم" المركزية. رأيت الشبكة العصبية المضيئة في نخاعي الشوكي. كانت فوضوية بشكل مقزز؛ عقد متشابكة، مسارات تنتهي في فراغ، وإشارات تائهة.
"هذا المسار المضيء باللون الأزرق.. يذهب للقدم" جربت إرسال نبضة كهربائية متناهية الصغر. انتفضت قدمي اليسرى. "جيد" "هذا المسار الغليظ.. للذراع" حركته بحذر. ضربت يدي الأرض بقوة مفرطة هشمت البلاط تحت وجهي، وتطايرت الشظايا لتجرح خدي. لم أشعر بالألم، شعرت فقط بالقوة التي لم يكن "راي" القديم يحلم بامتلاك عُشرها.
بدأت أزحف. كان مشهداً يجمع بين الرعب والقرف. كائن عار تماماً، مغطى بسوائل سوداء ودم يتخثر بسرعة، يزحف بحركات مكسرة، متشنجة، وغير متناغمة. كنت أجرّ جسدي الثقيل كالرصاص نحو الباب الذي بدأ يفتح ببطء في نهاية الممر المتوهج.
[الوقت المتبقي: 60 ثانية.]
الحرارة أصبحت جحيماً لا يُطاق. شعرت بجلدي الجديد، الذي تعبت في نسجه، يبدأ بالتقرح والذوبان. رائحة احتراق شعري والبروتينات ملأت الغرفة. الألم كان يصرخ في كل خلية، لكنه كان "وقوداً" دفعني للاستمرار.
"قف!" صرخت في أعماق روحي.
جمعت كل ذرة إرادة متبقية، وأجبرت عمودي الفقري على الاستقامة. "طق.. طق.. كرررك!" صوت الفقرات وهي تصطف قسرياً فوق بعضها كان مقززاً، كأنني أرتب قطعاً من الرخام المحطم. انتصبت واقفاً لأول مرة. طولي زاد بشكل ملحوظ، رؤيتي للأرض أصبحت من زاوية مرتفعة. كتفاي أصبحا كجدارين من الفولاذ.
لكن الثقل.. يا إلهي، الثقل! شعرت وكأن الجاذبية قد تضاعفت عشرات المرات. العضلات التي نسجتها بكثافة عالية لم تكن زينة؛ كانت تزن أطناناً. كل عضلة كانت تضغط على العظمة التي تحتها، وكل نَفَس كان يتطلب مجهوداً من حجابي الحاجز وكأنه يرفع أثقالاً.
خطوت الخطوة الأولى. ركبتي اليمنى صرخت باحتجاج عنيف. الغضروف الذي صممته لم يكن مثبتاً بدقة. شعرت بعظم الساق يحك مباشرة في عظم الفخذ، صوت احتكاك داخلي جعلني أشعر بالدوار. ألم أبيض ناصع اخترق دماغي، لكنني لم أسقط. "راي" القديم كان سيسقط ويبكي، لكن "هذا الشيء" الذي صرته الآن.. لا يعرف كيف يبكي.
وصلت للباب. الضوء الأحمر كان قد استحال إلى نار فعلية خلفي. مددت يدي المرتجفة، المليئة بالعروق النافرة كأنها ثعابين محبوسة، وأمسكت بحافة الباب المعدنية الباردة. دفعت نفسي بكل ما تبقى من قوة، وسقطت على وجهي في الممر المظلم البارد.
"بام!" أغلق الباب الحديدي خلفي، عازلاً جحيم المصنع عني. استلقيت هناك، في الظلام، والبرد يمتص حرارة الحروق من جسدي.
بقيت ملقى على الأرض، ألهث وكأنني ركضت لمئة عام دون توقف. صدري يعلو ويهبط بعنف، وقلبي الجديد — ذاك المحرك العضلي القوي — يضرب قفصي الصدري بقوة مرعبة. دقاته لم تكن سريعة، بل كانت ثقيلة وبطيئة مثل مطرقة عملاقة تهوي على سندان. "دوم... دوم... دوم..."
تحسست جسدي. العجيب أن الحروق بدأت تلتئم بسرعة جنونية أمام عيني. الجلد ينسج نفسه، القشور المتفحمة تسقط، ويظهر تحتها جلد جديد أكثر قسوة ولمعاناً. حركت أصابعي؛ الألم العصبي بدأ يخبو تدريجياً مع بدء الدماغ في حفظ "الخريطة الجسدية" الجديدة.
نظرت للأعلى، ورأيت صورتي منعكسة على الزجاج المعتم للباب الثاني. تجمدت في مكاني، ونسيت كيف أتنفس.
لم يكن ذاك وجه "راي". لم يكن ذاك المراهق الشاحب ذو النظرة المنكسرة. الفك عريض وحاد كأنه شفرة. العيون غائرة، غامضة، ومظلمة، يحيط بها سواد لا ينتهي. العروق في الرقبة بارزة كأنها جذور شجرة شيطانية.
والجسد.. لم يكن جسد رياضي أو عارض أزياء. كان "سلاحاً". كتل عضلية متراصة بأسلوب لا إنساني، مصممة لتحمل الصدمات وللقتل، وليس للجمال. ندوب "التشريح الذاتي" كانت واضحة كخطوط دقيقة تغطي كل شبر فيّ، تذكير أبدي بأنني "صنعت" هذا المسخ ولم أُنشئ به. لم أعد أملك ملامح طفل؛ كنت أملك ملامح "نتيجة" لتجربة فاشلة وناجحة في آن واحد.
فجأة، ظهرت نافذة النظام أمام وجهي. لم تكن زرقاء كما في البداية؛ كانت حمراء داكنة، بلون الدم المتخثر الذي يغطي الأرضية تحتي.
[تهانينا.. أيها الجزار.] [لقد نجوت من "المسلخ الذاتي" (المرحلة الأولى: الهيكل والروح).]
دقة البناء: 71% (مقبول — يوجد أخطاء فادحة في التوصيلات العصبية وغضاريف الركبة).
تحمل الألم: تجاوز الحد الأقصى (غير قابل للقياس البشري).
قوة الإرادة: مصنفة تحت بند "الجنون الصرف".
[تم فتح المكافأة الخاصة باجتياز الباب الأول:] [بما أنك بنيت جسداً مليئاً بالعيوب الهيكلية وقابلاً للتمزق المستمر.. ستحتاج لهذا لتبقى حياً في عالم "الوزن".]
[تم اكتساب المهارة الكامنة: (التجدد الخلوي الهائج)]
النوع: سلبي / تلقائي.
الوصف: جسدك لا "يشفى" كالبشر الطبيعيين. جسدك "يغضب" عندما يُجرح. سرعة التئام الجروح تتضاعف 5 مرات أثناء القتال أو عند استشعار الألم الشديد.
العيب الجانبي: عملية الشفاء السريع تستهلك سعرات حرارية هائلة وتسبب جوعاً كافراً وألماً مبرحاً يغذي غضبك.
[المكافأة الإضافية: (عينُ المُشرِّح)]
الوصف: لأنك رأيت تكوينك الداخلي وأنت تمزقه وتبنيه، يمكنك الآن رؤية "نقاط الضعف الهيكلية" و"الأعصاب المكشوفة" في أجساد الآخرين بلمحة واحدة.
اختفت الرسالة، تاركة خلفها صمتاً أثقل من الجبال. وقفت ببطء، مستنداً على الجدار البارد. شعرت بالجوع.. جوع مرعب لم أعرفه من قبل، شعرت وكأن أمعائي تحاول أكل بعضها البعض. التجدد يطلب ثمنه فوراً.
نظرت للممر الطويل المليء بالأبواب المغلقة التي تنتظر دورها لتنهش في وعيي. كان هذا هو الباب الأول فقط.. "اعرف جسدك". وقد عرفته؛ أنا لست بطلاً في حكاية خرافية. أنا وحش جائع.. وصانع سيء، يملك عيناً ترى القبح في كل شيء.
مشيت خطوة.. ثم خطوة. العرج في ركبتي بدأ يخف بفعل التجدد الهائج. الألم أصبح صديقاً قديماً، والدم الذي كان يغطي وجهي بدأ يجف ليصبح قناعاً من القسوة.
نظرت للباب التالي، كان عليه قفل ضخم، وكلمات مشوشة باللون الأسود: [المرحلة الثانية: غريزة البقاء.. اختبار "المعدة الجائعة".]
ابتسمت ابتسامة شاحبة، ابتسامة كسرت صرامة وجهي الجديد وجعلته يبدو أكثر رعباً. "أهلاً بالجحيم التالي،" همست بصوتي المبحوح، "لقد بدأت أستمتع برائحة احتراقي"