20 - مذبح الظل...وإعدام الذكرى

لم يكن الباب الثاني بوابة نحو جحيم مستعر، ولا نحو غابة تسكنها الكوابيس. عندما دفعت ثقلي نحو الخارج، لم أجد ممراً ولا جدراناً تحصر رؤيتي. انفتح الواقع على "فراغ" لم تدركه حواسي من قبل. ساحة رمادية شاسعة، لا نهاية لها، أرضيتها من حجر صلد مصقول ببرودة الموت، تمتد حتى تذوب في أفق ضبابي تحت سماء بيضاء مطلقة، خالية من شمس تمنح الدفء أو نجوم ترسم الاتجاه.

لا ريح، لا صدى، لا حياة. فقط صمت مقدس وموحش، تكسره ضربات أقدامي الثقيلة وغير المتزنة التي كانت ترنّ في الفضاء كأنها مطرقة تضرب فوق قبر جماعي.

مشيت للأمام، أجرّ ساقي اليسرى التي لا تزال تعاني من ذاك "التأخير العصبي" المقزز. كنت أشعر بكل ليفة عضلية نسجتها وهي تحتك بالعظم، وبكل قطرة دم صناعية وهي تضخّ في شراييني بجهد جهيد. في منتصف هذه الساحة، على بُعد مئة متر تقريباً، كان يقف "شيء ما". كيان ساكن، صامت، وكأنه نبت من الحجر الرمادي نفسه. وخلف هذا الكيان، لمحت باباً أبيض ضخماً، ملامحه حادة، وكُتبت عليه عبارة واحدة بخط أسود أنيق، مستفز، وقاطع كالشفرة:

[للمرور: اقتل الضعف.]

[المرآة الممسوحة]

كلما اقتربت، كانت دقات قلبي الجديد تزداد عنفاً ووحشية. لم يكن خوفاً، بل كانت صدمة وجودية زلزلت ما تبقى من بشريتي. الكائن الذي يقف أمامي لم يكن وحشاً هجيناً ولا شيطاناً بقرون. كان جسداً بشرياً هزيلاً، شاحباً، ومألوفاً لدرجة الألم.

أكتاف ضيقة ومنحنية، أضلاع بارزة تظهر من تحت جلد رقيق كأنها قضبان سجن، وقامة تبدو كأنها تحمل ثقل العالم فوق ظهرها الضعيف. كان يرتدي نفس الملابس الممزقة، الملطخة بالتراب والرماد، التي كنت أرتديها في تلك الليلة التي التهمت فيها النيران كل ما أملك.

توقفتُ أمامه مباشرة. كان النسخة الحية من "راي القديم". نفس الطول البائس، نفس النحافة التي تثير الشفقة، ونفس اليدين اللتين لم تجرؤا يوماً على ردع إهانة. ولكن.. عندما رفعتُ نظري لوجهه، تجمد الوجود في عيني.

لا يوجد وجه. مساحة ملساء، بيضاء، وخالية من الملامح تغطي مقدمة الرأس. لا عيون تفيض بالدموع، لا أنف يستنشق الخوف، ولا فم يصرخ طلباً للنجدة. مجرد "شبح" لذكرى ميتة، تجسيد فيزيائي لضعفي الذي حاولت الهروب منه.

"هل هذا.. أنا؟" نظرت ليدي الحالية: ضخمة، قبيحة، مليئة بالعروق النافرة كالأفاعي، وأظافر سوداء حادة كأنها نصال خفية. ثم نظرت ليده: صغيرة، ناعمة، وهشة كغصن يابس. ضحكتُ بسخرية مريرة، وخرج صوتي خشناً، مكسوراً، ومرعباً كصليل السيوف: "إذن.. هذا هو الاختبار؟ أن أحطم هذه القمامة؟ لقد بالغتم في تقدير عاطفتي.. هذا أسهل مما توقعت"

[تحدي الكفاءة: الضعف يرقص]

انطلقتُ نحوه بكل ما أوتيت من زخم. أردتُ إنهاء هذه المهزلة بضربة واحدة تمحو أثره من الوجود. رفعتُ قبضتي العملاقة، وشحنتُ فيها كل غضبي، كل كراهيتي لـ "راي" الذي كان يختبئ خلف الأشجار ويبكي. كانت القوة الكامنة في يدي تكفي لتحطيم جدار خرساني.

"اختفِ أيها الضعيف المثير للقرف!"

هويتُ بيدي لأسحق جمجمته الملساء.. لكن ما حدث كان صدمة لبرمجتي العصبية.

"فووووش!"

ضربتُ الهواء الصرف. بسهولة مرعبة، وبحركة انسيابية ناعمة كأنها الماء في مجراه، مال الجسد القديم لليسار بمقدار إنشات قليلة. اندفعتُ أنا للأمام بسبب الثقل الزائد لكتلتي العضلية وزخمي المنفلت، تعثرتُ وسمعتُ طقطقة في كاحلي، وكدتُ أنكفئ على وجهي.

وقبل أن أستعيد توازني المختل، شعرتُ بركلة خاطفة في ركبتي اليمنى — الركبة "المعطوبة" التي فشلتُ في ضبط أوتارها بدقة —. الركلة لم تكن قوية بمقاييس الأرقام، لم تؤلمني جسدياً، لكنها كانت في "المكان الصحيح" واللحظة القاتلة.

"طرااخ!"

فقدتُ توازني تماماً وسقطتُ على ركبتي، مُحدثاً ثقباً في الحجر المصقول. وقف النسخة أمامي، بلا حراك، بلا نَفَس، وبلا وجه يخبرني بما يفكر فيه. كان صمته أشد وطأة من أي سخرية كلامية.

"كيف..؟" صرختُ في داخلي. كيف تفادى ضربتي؟ أنا أسرع منه بفضل محركات قلبي الجديد! أنا أقوى منه بمئة مرة!

نهضتُ والغبار والدم يغطيان وجهي الجديد. "مجرد صدفة غبية" هجمتُ مرة أخرى، وبدأتُ بسلسلة من الضربات الهستيرية؛ لكمة يمنى، لكمة يسرى، ركلة علوية. كان التفادي، الانحناء، والتراجع بالنسبة له جزءاً من سمفونية كونية.

النسخة كانت تتحرك بتناغم مثالي. أعصابه متصلة بامتياز، عضلاته تعرف تماماً حدود عظامه، ولا يوجد جزء من الثانية كـ "تأخير" بين تفكيره وحركته. إنه يرقص في فراغ الساحة، بينما أنا.. أنا "وحش" قوي لكنه مفكك.

عندما أهاجم، يدي تسبق قدمي بجزء من الثانية، مما يخلّ بمركزي. عندما أستدير، تتشنج عضلات ظهري لأنني وضعتُ فيها أليافاً أكثر مما ينبغي. أنا "جهاز" جبار، لكن نظام تشغيله مليء بالأخطاء والبرمجيات الخبيثة. وهو "جهاز" ضعيف، لكن كفاءته تبلغ الـ 100%.

[الإهانة: منطق الجسد]

بدأ "الضعف" بالهجوم. لم تكن ضرباته تهدف للقتل، بل للتعطيل. لكمات سريعة، دقيقة، كأنها إبرٌ تُغرس في مفاصل رقبتي، فوق عيني مباشرة، وفي المنطقة الرخوة فوق الكبد. لم تكن مؤلمة بالمعنى المادي؛ ضرباته كانت تبدو كضربات طفل يضرب جداراً من الفولاذ.

لكن الإهانة.. الإهانة كانت تحرقني أكثر من نار منزلي. جسدي القديم "الحقير" يتلاعب بي كأنني دمية خشبية؟ أنا الذي مزقتُ روحي، وبنيتُ عظامي من الكالسيوم المركز، وصنعتُ لحمي من الغضب.. أُهانُ بواسطة هذا الظل الأملس؟

"آآآآآرررغ!" صرختُ بجهل وحاولتُ الإمساك بخصره لأحطمه. انزلق من بين يدي كأنه مصنوع من الزيت. قفز ببراعة، وركلني في وجهي مباشرة. تراجعتُ للخلف، ومسحتُ قطرة دم سوداء سالت من أنفي الجديد.

نظرتُ إليه وهو يقف بوقفة قتالية بدائية، هادئاً، مستفزاً بصمته المطبق. وفي تلك اللحظة، وسط الرذاذ الرمادي للساحة، أدركتُ الحقيقة المرة التي كان الاختبار يحاول حقنها في دماغي.

أنا أحاول القتال "كإنسان". أنا أحاول تقليد حركاته الرشيقة. أحاول أن أكون بارعاً، متناغماً، ومقاتلاً فنياً مثله. لكنني لستُ هو. أنا لستُ ذاك الفتى النحيل الذي يخشى الانكسار. لقد قتلتُ ذلك الفتى في الغرفة البيضاء عندما اخترتُ أن أكون جزاراً لنفسي. لماذا أحاول القتال بأسلوبه وهو الأستاذ في الضعف؟

"أنت على حق." همستُ، وتغيرت نبرة صوتي إلى هسيس شيطاني يقطر كراهية. "أنت تتفادى لأنك تخاف أن تُلمس. لأن جسداً رقيقاً مثلك سيتلاشى لو لامسته ذرة من قوتي. أنت تعيش على 'التجنب' لأنك لا تملك خياراً آخر"

نظرتُ لجسدي المشوه، لندوب التشريح، للعضلات التي لا تزال تنبض بتشنجات غير منتظمة. "أما أنا..." ابتسمتُ، وشعرتُ بجلدي يتمدد فوق عظامي الصلبة. "أنا لا أهتم إذا ضُربت. أنا لا أهتم إذا تمزق لحمي. أنا لم أُصنع لكي أكون رشيقاً.. أنا صُنعت لكي 'أتحمل' وأبيد"

انطلقتُ نحوه مرة أخرى، وهذه المرة، لم أحاول أن أكون سريعاً. لم أحاول حتى الدفاع. النسخة رأتني قادماً، استعدت للكمي في عيني اليمنى لتعطيل رؤيتي. لم أراوغ. فتحتُ عيني على آخرهما، وتقدمتُ بوجهي نحو قبضته كمن يرحب بصديق قديم.

"بوك!"

لكمته ضربت مقلتي مباشرة. انفجر الألم أبيض ناصعاً في دماغي، وشعرتُ بالسائل داخل عيني يغلي، لكنني لم أرمش، لم أتراجع ميليمتراً واحداً. استغليتُ تلك اللحظة التي تلامس فيها جلده الضعيف بجلدي المصمت. اللحظة التي فقد فيها "الرشيـق" ميزة المسافة.

مددتُ يدي الضخمة، المليئة بالعروق القانية، وأطبقتُ بكل قوتي على ذراعه الهزيلة.

"كراك!"

صوت العظام وهي تتحطم تحت قبضتي كان أجمل موسيقى سمعتها منذ وقت طويل. النسخة (التي بلا فم) انتفضت بعنف هستيري، حاولت الإفلات، حاولت ركلي، لكن الأوان كان قد فات. قبضتي لم تكن يد إنسان؛ كانت ملزمة هيدروليكية أطبقها القدر.

"أمسكتك." ابتسمتُ، وكشفتُ عن أسنان نمت لتصبح حادة وغير بشرية. "أنت رشيـق جداً.. أنت جميل في حركتك.. أنت متناغم مع العالم" شددتُ ذراعه وسحبتُ جسده الهزيل نحوي بقوة جعلت كتفه يخرج من مكانه بصوت تمزق واضح. "لكنك.. ضعيف.. لدرجة القرف"

رفعتُ يدي الأخرى، وبدلاً من اللكم، فتحتُ كفي كأنها مخلب لحيوان مفترس. غرزتُ أظافري السوداء في صدره، ومزقتُ اللحم والجلد بضربة واحدة هابطة. الدم لم يكن أحمراً؛ كان دخاناً أسوداً سائلاً، مادة مظلمة تشبه الذكريات المتعفنة.

لم أقاتله بأسلوب الفنون القتالية. قاتلته بأسلوب الوحوش التي تسكن الغابات المنسية. نطحته برأسي الصلب، فشعرتُ بجمجمته تنضغط تحت جبهتي. حملته من خصره الضيق، ورفعته عالياً نحو تلك السماء البيضاء الباردة، ثم ضربتُ به الأرضية الحجرية بكل ثقلي وزخمي.

"بام! بام! بام!"

مع كل ضربة كانت تهتز الساحة الرمادية، كنتُ أحطم ذكرى من ذكرياتي القديمة. الضربة الأولى كانت لخوفي من الظلام. الضربة الثانية كانت لعجزي أمام "كانغ" وهو يسحق لوحة الفتى الرسام. الضربة الثالثة كانت لتوسلاتي لـ "هايرو" في الممر الأبيض.

وداعاً لخوفي. وداعاً لضعفي. وداعاً لإنسانيتي التي كانت القيد الأكبر الذي يمنعني من التحليق في سماء الخطيئة.

الجسد الذي كان تحتي تحول إلى كومة من اللحم المهشم والعظام المكسورة التي لا يمكن تمييزها. لم يعد يتحرك، لم يعد يرقص. وقفتُ فوقه، صدري يعلو ويهبط كمنفاخ عملاق، والدخان الأسود المنبعث من جثته بدأ يتصاعد ويلتصق بجلدي، يمتصه مسامي كأنه وقود طال انتظاره.

نظرتُ للباب الأبيض في نهاية الساحة. بدأ ينفتح ببطء، مُصدراً صريراً مهيباً يعلن عن نهاية مرحلة.

مشيتُ فوق جثة "نفسي القديمة"، سحقتُ ما تبقى من صدرها المفتوح بقدمي الثقيلة دون أن ألتفت للأسفل. شعرتُ بشيء جذري يتغير في كيمياء وجودي. حركتي لم تصبح أكثر سلاسة بالمعنى البشري، لا.. بل تقبلتُ "الخشونة". تقبلتُ أنني كتلة من القوة المنفلتة التي لا تحتاج للتناغم مع العالم، بل تحتاج لـ "تحطيمه".

لم أعد أحاول أن أكون "راي الإنسان" داخل جسد الوحش. أنا الآن.. شيء آخر. كائن تم تقطيره في بوتقة الألم والتشريح الذاتي.

ظهرت رسالة أخيرة، نُقشت بحروف من نور بارد فوق الباب المفتوح:

[تم التخلص من بقايا "الذاكرة العضلية" البشرية.] [أنت الآن فارغٌ تماماً من الضعف.]

دخلتُ في الظلام الدامس خلف الباب، تاركاً ورائي ذاك الجسد الأملس في الساحة الرمادية كخرقة بالية لم تعد تصلح للاستعمال.

لقد قتلتُ الرجل الذي كنتُ عليه بكل برود. والآن.. في قلب هذه المتاهة المظلمة، يمكنني أخيراً أن أولد.. كأول شيطان يُصنع بيده.

2026/01/11 · 12 مشاهدة · 1452 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026