[المنطقة الرمادية – حطام الذات]

ساد صمت جنائزي في الساحة الحجرية، صمت لم تكسره سوى فرقعة الدخان الأسود الكثيف الذي كان ينبعث من جثة "نسختي القديمة". كانت الجثة تحت قدمي مجرد حطام لذكرى؛ وجهي البريء الذي كان يخشى الظلال، عيناي اللتان كانتا تلمعان بالأمل، وضعفي الذي كان يكبلني لسنوات. لقد واريته الثرى في مقبرة النسيان بيدي هاتين. مسحت مزيج دمي ودمه عن وجهي، تاركاً خلفي لطخة قانية فوق عيني اليمنى، كأنها وسم أبدي لهذا الجرم.

صدري كان يعلو ويهبط في نوبات تنفس متهدجة، ورئتاي كانتا تئنان تحت وطأة الأدرينالين الذي بدأ ينسحب ببطء ليترك مكانه فراغاً بارداً وموحشاً. وقفت هناك، وسط الرائحة النفاذة للموت، وعيناي معلقتان في ذاك الفراغ الرمادي اللامتناهي، أنتظر الثمن.

"هيا.." همست، وصوتي خرج مشروخاً، كأنه يزحف من بين حطام حنجرتي. "أين هي؟ أين جائزتي؟"

في الباب الأول، عندما مزقت نسيجي العضلي وأعدت صهر عظامي، نلت مهارات التجدد كعطية من هذا الجحيم. والآن، بعد أن ذبحت "ماضي"، وسحقت كل شعور إنساني كان يربطني بالعالم، ألا أستحق مقابلاً؟ ألا يوجد تعويض عن فقدان الروح؟

مرت دقيقة، ثم دقيقتان، والزمن في هذا المكان بدا وكأنه يتمدد ليسخر من نفاد صبري. الصمت كان ثقيلاً، لزجاً، يلتف حول عنقي كحبل مشنقة غير مرئي. شعرت بأن الفراغ نفسه يراقبني، يتلذذ بوقوفي وحيداً وسط دمار نفسي. وفجأة، شق هذا الصمت صوت إلكتروني حاد.. [بززت].

ظهرت النافذة المألوفة أمامي، لكنها هذه المرة لم تكن بتلك الزرقة المتوهجة التي كانت تعد بالقوة والارتقاء. كانت رمادية، باهتة، بلون الرماد البارد الذي تخلفه الحرائق الكبرى.

[المرحلة الثانية: اكتملت.] [التقييم: مقبول.] [المكافأة: لا يوجد.] [ملاحظة النظام: كونك لا تزال تتنفس هو جائزتك الوحيدة. تابع السير.]

تجمدت الدماء في عروقي وأنا أقرأ تلك الكلمات. شعرت ببرودة قارسة تكتسح كياني، تطفئ ما تبقى من نار المعركة في قلبي. "لا يوجد..؟" تمتمت بذهول، والكلمة ترددت في عقلي كصدى صرخة في بئر مهجور.

ثم، ومن قعر ذاك الذهول، انطلقت ضحكة. كانت ضحكة قصيرة، مكسورة، جافة تماماً من أي مرح. "أتسمي هذا جائزة؟" رفعت رأسي نحو الفراغ المطلق، وصرخت بكل ما أوتيت من غضب مكتوم: "أتظنني حيواناً في سيرك؟! أرقص لك، أقتل لأجلك، أمزق أليافي وأهرس ذكرياتي لإرضائك.. ثم ترمي لي العظام وتقول لي (تابع السير)؟!"

"بوووووم!"

هويت بقبضتي اليمنى على الأرضية الحجرية الصلبة بكل ما أملك من غل. تشقق البلاط تحت وطأة قوتي الجديدة التي لم أعد أجد لها مصرفاً، وتطاير الحصى الحاد كالشظايا، ليجرح خدي جرحاً غائراً. لم أهتم بالألم، ولم أهول للدماء التي بدأت تسيل. شعرت بالخيانة تنخر في عظامي؛ الغضب لم يكن من وجع الجسد، بل من ذاك "الأمل" الزائف الذي حقنوني به ثم سحبوه في اللحظة التي صرت فيها في أمس الحاجة إليه. لقد خدعوني بوهم التقدم، ليتركوني في منتصف الطريق، عارياً من ماضي ومحطماً في حاضري.

"كرررررر..."

قطع صياحي صوت احتكاك صخري ثقيل ومزعج. في نهاية القاعة المظلمة، انفتح الباب الثالث. لم يكن خلفه ظلام دامس كالذي سبقه، بل بياض مطلق. بياض ناصع، ساطع، ومؤلم للعين لدرجة تجعل الشبكية تتمزق. كان ضوءاً يشبه وميض انفجار نووي لا ينطفئ.

نهضت ببطء، وعظامي تطقطق باحتجاج. بصقت دماً غريباً على الأرض، ونظرت نحو ذاك البياض المستفز. "تريد أن تلعب بقذارة؟" زمجرت، ومشيت نحو الباب بخطوات ثقيلة ومترنحة، تاركاً خلفي آثار أقدام دموية تحكي قصة مجزرة الذات. "حسناً.. سأعبر جحيمك التالي، وسأحرقه بيدي في النهاية"

عبرت العتبة، وغرق العالم كله في بياض لا يرحم.

بمجرد أن وطئت قدماي هذا المكان، اختفى الباب خلفي كأنه لم يكن. اختفت الجدران، وتلاشى السقف، ووجدت نفسي في "عدم أبيض" جديد، لكنه كان يملك شكلاً وتضاريس. كانت صحراء. صحراء بيضاء شاسعة تمتد إلى ما وراء الأفق في كل اتجاه. الأرض تحت قدمي لم تكن رمالاً ناعمة يمكن المشي عليها بيسر؛ ركعت ولمست سطحها بيدي.

كانت بلورات. بلورات بيضاء، خشنة، وحادة كأنها شفرات مجهرية. وضعت طرف لساني عليها بحذر، فارتجف جسدي من الصدمة. كانت مالحة.. وحارقة. "ملح." تمتمت، وبصقت فوراً لأن الطعم بدأ يحرق أنسجة لساني. "أنا في صحراء من الملح والأسيد الجاف"

السماء فوقي لم تكن سماءً، بل كانت غطاءً أبيض ككفن الموتى، بلا شمس وبلا قمر، لكن الحرارة كانت جحيماً لا يوصف. كان المكان كأنه فرن عملاق تم ضبطه على درجة "شواء بطيء". الهواء كان جافاً لدرجة مرعبة، شعرت به يمتص الرطوبة من مقل عيني مع كل رمشة.

نظرت بعيداً، نحو الأفق الذي يرتعش بفعل السراب الأبيض، ورأيت هدفي. نقطة سوداء ضئيلة تلوح في ذاك المدى القاتل. كان باباً خشبياً متهالكاً، يظهر كأنه نكتة سمجة في وسط هذا البياض. "الباب التالي." بدأت المشي.

صوت تكسر الملح تحت قدمي العاريتين كان يتردد في أذني كصوت تكسر العظام. قرش.. قرش.. قرش.. مع كل خطوة، كانت البلورات الحادة تجرح باطن قدمي، ثم ينغرس الملح والأسيد داخل تلك الجروح الطازجة. الألم كان يشبه المشي فوق جمر مطلي بالسم، لكن اللعنة الكبرى كانت في مهاراتي. مهارة (التجدد الهائج) كانت تعمل بآلية عمياء؛ قدمي تجرح، المهارة تشفيها فوراً، ثم تخترقها البلورات مرة أخرى في الخطوة التالية. كانت دورة سيزيفية من العذاب اللامتناهي.

لا تجعل قراءة الروايات تلهيك عن صلاتك، تذكير محبة من مركز الروايات. markazriwayat.com

بعد ما بدا وكأنه دهر من السير تحت الحرارة التي تصهر الروح، وصلت. توقفت في مكاني، وتجمدت من وقع الصدمة. رفعت رأسي للأعلى حتى تشنجت رقبتي. "هل.. هل تمزحون معي؟"

الباب الخشبي لم يكن على الأرض. كان معلقاً في السماء، يطفو في الفراغ الأبيض بلا دعامات، بلا سلاسل، وبلا أي وسيلة ملموسة للوصول إليه. عشرة أمتار كاملة كانت تفصلني عن العتبة. عشرة أمتار من الهواء الفارغ. لا يوجد سلم، لا يوجد حبل، ولا توجد حتى نتوءات في الفراغ يمكن تسلقها.

نظرت حولي بجنون، وعيناي تبحثان عن أي ثغرة في هذه الصحراء الميتة. "حجر؟ خشب؟ عظام؟ أي شيء!" صرخت، لكن صراخي ضاع في المدى الأبيض. لا شيء سوى الملح. الصحراء كانت مسطحة تماماً كمرآة محطمة، خالية من أي مادة يمكن استخدامها. أنا وحيد تماماً، مع باب يطفو فوقي ويسخر من عجزي البشري.

وفجأة، وبلا مقدمات، ضربني "الجوع".

لم يكن جوعاً عادياً، بل كان "افتراساً داخلياً". سقطت على ركبتي فوق الملح الحارق، وعضضت على شفتي بقوة حتى تدفق الدم. في تلك اللحظة، أدركت الفخ المرعب الذي نُصب لي. مهارة (التجدد الهائج) التي كنت أظنها هبة، تحولت الآن إلى نصل يذبحني. الحرارة والأسيد والملح كانوا يتلفون خلاياي باستمرار، والمهارة كانت تحاول الترميم بجنون آلي. لكن الترميم يحتاج طاقة، يحتاج وقوداً بيولوجياً.. وأنا؟ أنا فارغ تماماً. لم تدخل معدتي لقمة واحدة منذ أن بدأت هذه الرحلة اللعينة.

"أغغغغغ..."

أننت بوجع وأنا أمسك بمعدتي التي بدأت تتقلص بشكل تشنجي مؤلم. شعرت بجسدي يبدأ في "أكل نفسه" حرفياً ليعوض النقص. شعرت بعضلات بطني تذوب وتتحلل لتغذي نبض قلبي. دهوني الضئيلة احترقت في ثوانٍ، نظرت إلى يدي، فذعرت مما رأيت؛ كانت تذبل أمام عيني. الجلد بدأ يترهل ويفقد نضارته، وعظامي بدأت تبرز من تحت اللحم بوضوح مخيف. أنا أتأكل من الداخل. جسدي يلتهم أنسجته ليبقى حياً لثانية إضافية. سأموت من الجوع والاستنزاف قبل أن أجد وسيلة للصعود لذاك الباب.

"يجب أن أصعد." بحلقت في الباب العالي. بدا بعيداً كحلم مستحيل. "كيف؟ كيف أصل إلى هناك؟ لا يوجد خشب.. لا توجد مادة."

عصرت عقلي المنهك، وتذكرت جملة النظام التي ظهرت ببرود عند دخولي ولم ألق لها بالاً: [تحذير: بيئة قاحلة. لا شيء ينمو هنا.. إلا أنت.]

"إلا.. أنا." كررت الجملة بصوت مبحوح. شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودي الفقري رغم الحرارة اللافحة. نظرت إلى جسدي. نظرت إلى ساقي اليسرى؛ كانت لا تزال مكتنزة ببعض العضلات القوية التي بنيتها في الباب الأول. العظم فيها كان سميكاً، صلباً، وفولاذياً.

تخيلت شكلها وهي مقطوعة. تخيلت نفسي أضعها كدرجة في سلم عدمي. ثم.. تخيلت طعمها.

"لا.." هززت رأسي بعنف، وصفعت وجهي بيدي لأطرد هذا الجنون. "مستحيل. لست مخبولاً. أنا لست وحشاً" لكن معدتي صرخت مرة أخرى، تشنج حاد وعنيف جعلني أتقيأ عصارة صفراء حارقة فوق الملح الأبيض. الجوع كان يمزق أحشائي بمخالب حقيقية، لا خيالية. أنا "المادة" الوحيدة المتاحة في هذا الكون الأبيض. أنا الخشب، وأنا الحجر، وأنا اللحم. أنا الطعام.. وأنا البناء.

أخرجت أظافري، تلك المخالب السوداء التي نمت لتصبح حادة كشفرات الجراحين. وضعت يدي المرتجفة على فخذي الأيسر. لمست الجلد الدافئ، وشعرت بالنبض الخائف تحته. اللعاب سال من فمي رغماً عني، غزيراً ولزجاً. رائحة دمي بدأت تفوح في أنفي حتى قبل أن أجرح نفسي؛ كانت رائحة حديدية، حلوة، ومغرية بشكل مرعب لجسد يحتضر جوعاً.

نظرت للسماء البيضاء، وصرخت صرخة مكتومة، يائسة، وحاقدة: "هل هذا ما تريدونه؟! هااااه؟! هل هذه هي التسلية؟! أن أتحول لوحش يقتات على ذاته؟"

لم يجبني أحد. الباب المعلق ظل صامتاً، يطفو بهدوء مستفز.

أنزلت نظري إلى فخذي مرة أخرى. الجنون بدأ يزحف إلى وعيي، يلون رؤيتي باللون الأحمر القاني. "فقط.. قطعة واحدة." همست لنفسي كالممسوس، وصوتي يرتجف بحدة. "قطعة عظم واحدة لأقف عليها وأقترب من الباب.. وقطعة لحم واحدة لأسكت هذا الجوع الذي ينهشني"

غرزت الظفر الأول في لحمي. ببطء شديد، اخترقت الشفرة السوداء الجلد. الدم الحار نفر على وجهي، كان دافئاً ولذيذاً بشكل مقزز. لم أغمض عيني، ولم أصرخ من الألم؛ فقد كان الألم الجسدي لا يذكر أمام ألم الجوع الذي كان يطحن روحي.

بحلقة في الجرح المفتوح بذهول، وبريق غريب بدأ يلمع في عيني. اللحم الأحمر الطري ظهر من تحت الجلد المنشق. إنه.. يبدو شهياً. شهياً أكثر من أي وليمة تخيلتها في حياتي.

فتحت فمي، والآن.. سأبدأ الوليمة.

2026/01/11 · 15 مشاهدة · 1438 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026