[الباب الثالث – جحيم الملح الأبيض]

كان الصمت في هذه الصحراء البيضاء ليس مجرد غياب للصوت، بل كان كياناً حياً ينهش في طبلة الأذن، تماماً كما كان الملح ينهش في مسامي. وقفت طويلاً أنظر إلى ذلك الباب الخشبي المعلق في كبد السماء البيضاء؛ عشرة أمتار من العدم تفصلني عن النجاة. لم يكن هناك حجر، لم يكن هناك خشب، لم تكن هناك مادة خام لبناء طريق للأعلى سوى "أنا".

"كررررت..." هذا الصوت لم يكن غريباً عليّ، لكنه في هذا السكون بدا وكأنه رعد يمزق حجاب الكون. كان صوت تمزيق جلدي، طبقة تلو الأخرى. ملمسه كان يشبه قماشاً قديماً غمرته المياه لسنوات حتى تهرأ، ثم جئت أنا لأشقه بيدي. لم أكن أشعر بالألم كبشر؛ الألم صار لغة روتينية، همساً مزعجاً في خلفية وعيي.

كنت أجلس على ذرات الملح التي كانت تغرز أنيابها الحمضية في جروحي المفتوحة. مددت ساقي اليسرى أمامي في تلك اللحظة، لم تعد هذه الساق جزءاً من "راي"، لم تعد تلك الأطراف التي ركضت بها يوماً في ممرات المدرسة، بل أصبحت "مادة إنشائية". أغمضت عيني وغرست أظافري السوداء الحادة بعمق، متجاوزاً الأنسجة الجلدية، غائصاً في العضلة الحية التي كانت تنبض تحت يدي بذعر فطري.

جسدي انتفض. كل عصب، كل خلية، كل ذرة كربون في تكويني صرخت في وجهي بذهول: "توقف! ماذا تفعل أيها المجنون؟" كان صراخ الغريزة التي ترفض الفناء، لكن إرادتي كانت قد غادرت حدود البشرية منذ زمن.

كنت أبكي. لم تكن دموعاً درامية، بل كانت "نضحاً" حزيناً من عينيّ اللتين أحرقهما الوميض الأبيض. دموع مالحة سقطت على جروحي لتزيد سعيرها، واختلطت بالدماء التي صبغت يدي باللون القاني. "أنا آسف." همست لجسدي، والشهقات تخنق حنجرتي الجافة. "أنا آسف يا صديقي الوحيد، يا من حملتني حين خذلني الجميع، اليوم أنا من سيخذلك"

وصلت للعظم. كان لونه أبيض باهتاً كأرضية هذه الصحراء اللعينة. الآن جاء الجزء الذي يتطلب تحطيم المنطق. رفعت يدي اليمنى، ركزت كل ذرة قوة في مفاصلها، حولتها إلى مطرقة فولاذية، وهويت بها على عظمة ساقي المكشوفة بكل ما أوتيت من يأس.

"طـــق!"

كان الكسر نظيفاً، صوته جاف كغصن شجرة يابس. في تلك اللحظة، انفجر الألم أبيض، ساطعاً، أعمى بصيرتي تماماً. شعرت وكأني صُعقت ببرق سماوي. فصلت الجزء الأسفل من ساقي، وحملته بيدي المرتجفة. كان ثقيلاً، دافئاً، ولزجاً، تفوح منه رائحة الحياة التي بدأت تبرد. وضعته على الأرض الملحية، وغرست نهايته العظمية في الملح لتثبيته. "هذه.. الدرجة الأولى"

ثم.. جاء الوحش الحقيقي. الجوع. لم يكن جوعاً للمعدة، بل كان صرخة الخلايا التي تطلب الوقود لترميم الدمار الذي أحدثته. مهارة (التجدد الهائج) بدأت تسحب من مخزوني الصفري. رائحة دمي الساخن فجرت شيئاً بدائياً، مظلماً، وقديماً في دهاليز دماغي. كنت أحتاج للطاقة لكي تنمو ساقي مرة أخرى، ومن أين آتي بالطاقة في هذا القفر؟

نظرت لقطعة اللحم المتدلية من الساق المبتورة، تلك التي لم أستخدمها في البناء. أغمضت عيني بقوة حتى رأيت النجوم، وحشرت اللحم النيء في فمي.

القيء صعد لحلقي، كاد يخنقني، لكني ابتلعته بالقوة. كنت أمضغ نفسي. كان طعمي مالحاً بطعم الملح الذي يغلف المكان، وطعماً حديدياً بطعم القهر الذي يغلف روحي. "كل." أمرت نفسي وأنا أشهق بالبكاء المر. "كل لكي لا تموت، كل لكي تقتل هذا الضعف"

[اليوم الثالث.. أو ربما القرن الثالث؟]

فقدت الإحساس بالزمن. في هذه الصحراء، الوقت لا يتحرك للأمام، بل يدور في حلقات مفرغة من المعاناة. لم أعد "راي" الذي يعرفه العالم. أنا الآن لست بشرياً، ولست وحشاً كاسراً؛ أنا "مصنع مسالخ" متنقل. أنا المادة الخام، وأنا البنّاء، وأنا الضحية.

تحت ذلك الباب الخشبي الذي يطفو ببرود في السماء، ارتفع "البرج". لم يكن سلماً بالمعنى التقليدي، بل كان كومة بشعة، مائلة، ومقززة تثير الغثيان في قلب الشيطان نفسه. عشرات السيقان المقطوعة التي نمت ثم قُطعت، الأذرع الملتوية التي استُخدمت كدعامات، وأكوام من الضلوع التي انتزعتها من صدري لتكون مسامير تثبيت.. كلها كانت مكدسة فوق بعضها بدموية فوضوية.

الشمس البيضاء (أو ما يشبهها) كانت تلطع اللحم، تحوله إلى لون رمادي ميت. الرائحة.. يا إلهي، الرائحة كانت أسوأ من الموت نفسه. رائحة تعفن لحمي الخاص كانت تخنقني، تلتصق بملابسي الممزقة وبشعري الملبد بالدماء. كنت آلة بيولوجية معطلة: أقطع.. آكل.. أنتظر التجدد.. أبني.. أتسلق، ثم أعيد الكرة.

في لحظة وهن، انزلقت قدمي. الدم المتخثر والعفن جعل "السلم" زلقاً كأنه مغطى بالزيت. سقطت. تدحرجت لأسفل الكومة، وجهي يرتطم بالأطراف التي قطعتها بالأمس وأول من أمس. اصطدمت بالأرض الملحية بقوة هشمت كتفي الأيمن.

استلقيت هناك، عارياً من الكرامة، هزيلاً كهيكل عظمي يكسوه جلد شفاف من فرط الاستهلاك. نظرت للسماء البيضاء ببلادة. "يكفي." همس عقلي المكسور، ذاك الجزء الذي لا يزال يتشبث ببقايا بشريتي

"فقط.. مت هنا. هذا يكفي. لا يوجد باب في هذا الوجود يستحق كل هذا التنكيل بالذات"

أغمضت عيني، واستسلمت للملح الذي بدأ يغطي جسدي كأنه كفن طبيعي. طعم الملح يختلط بالدم في فمي المكسور. لم أفكر في جين، لم أتذكر منزلي المحترق، لم أتذكر حتى اسمي. كان عقلي لوحة بيضاء، خالية تماماً من المعنى.

لكني، وبطريقة ما، نظرت بطرف عيني نحو "البرج" الذي سقطت منه. تلك الكومة من اللحم واللحظات المرة. رأيت ساقي اليسرى الأولى.. تلك التي كانت تحمل أحلامي بالخروج.. كانت محشورة في منتصف الكومة، وقد تحول لونها للأخضر الداكن من العفن.

"تلك.. كانت لي" همس وعي مظلم في أعماقي. "لقد قطعتها بيدي، ومضغتها بأسناني، وبصقت عظمها لأبني هذا المسخ"

لو مت الآن، فإن كل تلك العضات، كل تلك القطع من لحمي التي استقرت في معدتي لتعطيني القوة، كل صرخة صرختها وأنا أنشر عظمي بمنشار إرادتي.. ستكون "عبثاً". هذا هو الرعب الحقيقي الذي أيقظني. ليس الموت، بل "الهدر". أن أكون مجرد أحمق شوّه نفسه وانتهى به الأمر جثة بجانب كومة من فضلاته الجسدية.

"لا..." تحركت يدي المرتجفة على الملح. لم يكن محركي الغضب، ولا الأمل، بل كان الرفض المحض لأن أكون نكتة في سجلات هذا النظام اللعين. "أنا لم آكل نفسي.. عبثاً"

دفعت جسدي المكسور عن الأرض. عظامي طقطقت باحتجاج ميكانيكي حاد. لم أهتم. زحفت نحو الكومة مرة أخرى، رائحة العفن جعلت معدتي تنقبض، لكنها كانت خاوية لدرجة أنه لم يتبق شيء لأتقيأه سوى المرارة. أمسكتُ بعظم بارز، وسحبت جسدي للأعلى. بدون مشاعر، بدون تفكير، مجرد آلة معطوبة ترفض التوقف حتى تنهي مهمتها القذرة.

"درجة.. أخرى."

[الارتقاء الأخير]

وصلت للقمة. كنت أقف على منصة مهتزة من العظام واللحم المهروس. الباب أمامي مباشرة، يفوح منه عبير مجهول. لكن.. كانت هناك فجوة. مسافة نصف متر تفصلني عن المقبض. نظرت لجسدي؛ لم يتبق مني شيء لأقطعه دون أن أفقد توازني وأسقط في الهاوية مرة أخرى. أنا الآن مجرد هيكل يسير بالمعجزة.

نظرت ليدي اليسرى، كانت تمسك بحافة الكومة لتثبيتي. نظرت ليدي اليمنى، المخالب سوداء، طويلة، وجاهزة للحصاد. "وداعاً." رفعت يدي اليمنى، وبضربة خاطفة، يائسة، ومملوءة بكل ما تبقى من جنوني، قطعت كفي اليسرى من عند المعصم.

"آآآآآآه!"

كانت الصرخة مكتومة، مبحوحة، لأن أحبالي الصوتية كانت قد تمزقت منذ أيام. أخذت كفي المقطوعة، والدم ينفر من معصمي كنافورة صغيرة تغسل بياض الباب. وضعتها أمامي في الهواء كدرجة أخيرة. دستُ عليها بقدمي المتبقية.

ارتفعتُ.. بضعة سنتيمترات كانت هي الفارق بين الحياة والعدم.

أمسكتُ مقبض الباب بيدي اليمنى الوحيدة. أدرته بكل ما أملك من عزم. انفتح الباب على مصراعيه. سقطتُ لداخل الظلام الدامس، تاركاً ورائي "سلم العار" ينهار خلفي كبيت من الورق، وتاركاً يدي اليسرى هناك.. شاهداً أبدياً على الثمن الذي دفعته.

ارتطم وجهي بأرضية باردة، صلبة، ومريحة. ظلام.. يا له من ظلام مريح! لا حرارة تذيب الجلد، لا ملح ينهش الجروح، ولا أبيض يفقأ العين. انقلبت على ظهري، ألهث كسمكة أُعيدت للماء بعد احتراق طويل. معصمي الأيسر المبتور كان يغلي، يفور ببخار أبيض؛ كنت أشعر بالعظم وهو ينمو كالبذور، واللحم ينسج نفسه كخيوط العنكبوت ليبني كفاً جديدة.

"انتهى.." أغمضت عيني، أردت أن أنام لقرن كامل.

لكن الصمت لم يدم. فجأة، انفجر رأسي من الداخل. شعرت وكأن يداً عملاقة غرست إبهاميها في محاجر عيني وعصرت دماغي بكل قوتها. "غغغغغغغ!" تقوستُ على الأرض، حاولت خلع عيني من شدة الحرارة التي انبعثت خلفهما. كانتا تذوبان، تتغيران، يعاد تشكيلهما كزجاج مصهور يغلي في محاجره. شعرت بالأعصاب البصرية وهي تتمزق وتُربط بمسارات لم تكن موجودة من قبل، مسارات حفرتها الخطيئة.

ظهرت الرسالة في عتمة وعيي، لكنها لم تكن زرقاء.. كانت حمراء قانية، بلون دمي الذي شربته لتوي.

[تهانينا.] [لقد تجاوزت حدود "الكرامة البشرية" واقتحمت أسوار "البقاء المطلق".] [أكلت من لحمك لتبني طريقك، والآن.. النظام يمنحك بصيرة تليق بوحش صنع نفسه.]

[تم فتح المكافأة الملحمية:] [عين الخطيئة – المستوى 1 (الأحمر المطلق)]

تلاشى الألم فجأة، وحل مكانه برد قارص سكن في مقلتي، كأن جحيماً قد تجمد فيهما. فتحت عيني ببطء.

شهقتُ بذهول. الظلام لم يعد ظلاماً؛ لقد اختفى تماماً من قاموس رؤيتي. أنا لا أرى الأشياء الآن، أنا أرى "جوهرها" المتوهج. رأيت ذرات الغبار تسبح في الهواء كأنها شرارات حمراء صغيرة. نظرت ليدي الجديدة التي نبتت لتوها؛ لم أر الجلد، بل رأيت ما تحت الجلد.

رأيت الشرايين وهي تنبض بضوء قرمزي ساطع، رأيت تدفق الدم كأنهار من النار السائلة، رأيت انقباض العضلات وألياف الأعصاب وهي تنقل النبضات الكهربائية. العالم من حولي تحول إلى شبكة معقدة ومتحركة من الخطوط الحمراء والسوداء.

زحفت نحو سطح معدني عاكس على الجدار القريب، كنت بحاجة لأن أرى ما أصبحت عليه. نظرت لوجهي.. كان وجه شخص عاد من القبر: شاحباً، ممتفعاً، وملطخاً بالدماء الجافة، وعظامه بارزة من الهزال.

لكن العينين.. لم تكن عيني:

لقد اختفت معالم العين البشرية تماماً. لا بياض، لا قزحية، ولا بؤبؤ. ما رأيته في الانعكاس كان "جمرتين" مشتعلتين باللون الأحمر القاني المطلق. عينان غرقتا بالكامل في بحر من الدم المتوهج الذي لا قرار له.

ولكن، في عمق هذا الاحمرار السائل والمخيف، لاحظت شيئاً آخر جعل قشعريرة باردة تسري في جسدي المنهك. كان هناك "نقش". خطان غريبان، داكنا السواد كالحبر القديم، يطفوان داخل مقلة العين نفسها، تقاطعا بطريقة هندسية شاذة وحادة، وكأنهما يحاولان تشكيل "كلمة" أو "رمز" قديم.. لغة لم أرها في حياتي، ولم يستطع عقلي البشري فك شفرتها، لكنها كانت تنبض بقوة غامضة وثقيلة، وكأنها توقيع الكيان الذي منحني هذه القوة.

رمشت بعينيّ الجديدتين الدمويتين، ورأيت الرمز الأسود يومض داخلهما. تركتُ العالم يتباطأ في نظري، وشعرت بالقوة تتدفق في عروقي كطوفان. ابتسمت، فظهرت أسناني الملطخة بحمرة بقاياي.

"أنا أراكم." همست للظلام، وللأبواب القادمة، وللمصائر التي تنتظرني خلف الجدران، وعيني الحمراء تتسع لتستوعب كل شيء. "أنا أراكم جميعاً.. من الداخل، وأعرف أين تكمن نقاط ضعفكم"

[الباب الرابع: مفتوح.] [المرحلة التالية: الصيد.]

2026/01/11 · 19 مشاهدة · 1592 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026