[الباب الرابع - ساحة الدم]

انفتح الباب الخشبي المتهالك على مصراعيه، مصدراً صريراً طويلاً ومؤلماً وكأنه يصرخ من الألم. استقبلتني رائحة كريهة وثقيلة لدرجة أنها كادت تخنقني. رائحة صدأ قديم، عفن رطب، ودماء متخثرة منذ قرون. رائحة الموت الذي تحلل ثم عاد للحياة.

خرجتُ من الممر الضيق إلى الساحة. تسمرتُ في مكاني، وعيناي تتسعان لاستيعاب حجم الجحيم الذي دخلته. كنتُ أقف في مدرج دائري هائل الحجم، يشبه الكولوسيوم الروماني، لكن جدرانه الشاهقة لم تكن مبنية من الحجر أو الطوب. كانت مبنية من عظام. عظام عمالقة، جماجم بحجم السيارات، وأضلاع مقوسة رُصت فوق بعضها البعض بإتقان مرعب لتشكل سوراً يلامس سقفاً غير مرئي يغرق في الظلام. أرضية الساحة لم تكن رمالاً. كانت طيناً أحمر لزجاً، مشبعاً بالدماء لدرجة أن قدمي غاصت فيه حتى الكاحل بمجرد أن خطوت الخطوة الأولى. تشلب.. تشلب.. صوت الطين اللزج كان مقززاً.

لم يكن هناك جمهور يهتف في المدرجات العظمية. كان هناك صمت ثقيل، لزج، ومريب. صمت المقابر قبل القيامة. وفي المركز.. كانوا ينتظرون.

لم يكونوا ذئاباً، ولا غيلاناً، ولا حتى شياطين بالمعنى التقليدي. كانوا "كوابيس مُرقّعة". مئات المسوخ البشرية. أجساد ضخمة ومشوّهة، بلا جلد يغطيها، عضلاتهم الحمراء النيئة مكشوفة للهواء وتلمع بالرطوبة. ما جعلهم مرعبين حقاً هو "التعديل". أكتافهم خيطت فيها أذرع إضافية مأخوذة من جثث أخرى، بعضها يتدلى بلا حراك، وبعضها يحمل أسلحة. ظهورهم كانت مغروسة بشفرات صدئة، ومسامير حديدية ضخمة تبدو وكأنها نبتت من عظامهم العمود الفقري لتشكل درعاً شوكياً. أما وجوههم.. فكانت لوحة من العذاب. جلد الوجه مشدود ومخيط بخيوط معدنية خشنة. لا توجد أفواه، لا توجد أنوف. فقط عيون. عيون بيضاء واسعة، بلا جفون، بلا حدقات، تحدق في الفراغ ببلادة تامة.

بمجرد أن وطأت قدمي الساحة، حدث التغيير. وكأن تياراً كهربائياً سار بينهم. "هسسسسسس..." صوت هسهسة جماعي مرعب خرج من حناجرهم المغلقة، صوت الهواء وهو يمر عبر رئات فاسدة. التفتت مئات الرؤوس المخيطة نحوي في حركة جماعية متزامنة، وكأنهم يمتلكون عقلاً واحداً.

لم أنتظر. وهم لم ينتظروا. اهتزت الأرض. انفجر القطيع نحوي كطوفان من اللحم الأحمر والمعدن الصدئ.

[الاشتباك الأول]

في تلك اللحظة، شعرتُ بالخطر يلسع مؤخرة رأسي كعقرب سام. شيء ما في داخلي "انكسر" أو "تحرر". [تفعيل وضعية القتال: العين الحمراء.] انفتحت عيناي على آخرهما. انشق البؤبؤ البشري، واشتعلت القزحية باللون الأحمر القاني والمشع رغماً عني.

فجأة، تغير العالم. غرق كل شيء في صبغة حمراء دموية. الزمن تباطأ. لم أعد أرى أشكالهم الخارجية المشوهة فقط. رأيتُ التفاصيل. رأيتُ شبكة عضلاتهم المتوترة تحت اللحم العاري. رأيتُ الحرارة تتجمع في سيقانهم استعداداً للقفز. رأيتُ المسارات العصبية تتوهج بالأزرق الباهت داخل أجسادهم. رأيتُ المسخ الأول يطير نحوي، قافزاً بارتفاع ثلاثة أمتار، حاملاً بيده منجلاً عظمياً مسنناً يستهدف رقبتي بدقة.

عقلي الجديد حلل الضربة قبل أن تصل. (التهديد: منجل عظمي. السرعة: عالية. المسار: قوس هابط من اليمين. الثغرة: الإبط الأيسر مكشوف.) (الحل: تحرك لليسار.. اضرب الحنجرة.)

أرسلتُ الأمر لجسدي. "تحرك!" ولكن.. نسيتُ شيئاً واحداً. هذا الجسد الجديد "غريب". ثقيل. ولم أعتد عليه تماماً بعد. اندفعتُ بقوة مفرطة. عضلات فخذي (التي نسجتها بيدي) انفجرت بطاقة لم أقدرها جيداً. بدلاً من الانزلاق بسلاسة لليسار، ضغطت قدمي بقوة زائدة في الطين الزلق. انزلقت قدمي. اختل توازني للحظة قاتلة.

تعثرتُ. تغير مساري. بدلاً من أن أكون خارج نطاق الضربة، أصبحتُ في مسارها المباشر. رفعتُ رأسي برعب. المنجل كان يهوي. حاولتُ رفع يدي اليسرى للحماية كحركة غريزية يائسة.

"شــــك!"

لم يكن هناك ألم في البداية. فقط صوت. صوت نصل حاد يقطع اللحم والعظم كأنهما زبدة. المنجل العظمي لم يخدشني. لم يجرحني. لقد نزل بقوة هيدروليكية ساحقة. رأيتُ ساعدي الأيسر ينفصل عن ذراعي من عند الكوع. طار في الهواء، يدور ببطء، وأصابعي لا تزال تتحرك في الفراغ محاولة الإمساك بشيء. نافورة من الدم الحار رشقت وجهي وعيني، صابغة رؤيتي باللون الأحمر الحقيقي.

"آآآآآه!" الصرخة ماتت في حلقي. المسخ هبط فوقي، وزنه الثقيل سحقني في الطين، فاتحاً صدره ليغرز شفرات أخرى في جسدي.

نظرتُ ليدي المقطوعة التي سقطت بعيداً في الطين. ثم نظرتُ للمسخ الذي يعتليني. لم أشعر بالخوف. شعرتُ بـ إهانة. غضب بارد، مظلم، ولزج اجتاح كياني، أعمق من أي جرح. "أخذتَ.. يدي؟" زمجرتُ بصوت وحشي.

بينما هو يرفع يده الثانية للإجهاز عليّ، لم أحاول الدفاع. استخدمتُ ذراعي اليمنى السليمة. لم ألكمه. أمسكتُ وجهه المخيط بكفي بالكامل. غرستُ مخالبي الطويلة في محاجر عينيه البيضاء وفي الجلد المشدود. (مت!) اعتصرتُ. "كــــرّاك!" صوت تهشم جمجمته كان مسموعاً بوضوح. اعتصرتُ رأسه بقوة خام ومرعبة حتى انفجرت الجمجمة بين أصابعي كالبطيخة الفاسدة، وتناثر الدماغ الرمادي على صدري.

رميتُ جثته عني بقرف، ووقفتُ مترنحاً. نظرتُ لذراعي اليسرى. الدم كان ينزف من الجذع المقطوع كالشلال. الألم بدأ يضربني الآن، موجات من العذاب الناري تصعد لكتفي وتضرب دماغي. لكن.. [المهارة: التجدد الهائج - تعمل بأقصى طاقة.] البخار بدأ يتصاعد من الجرح المفتوح. بخار أبيض كثيف. رأيتُ اللحم يغلي. الألياف العضلية بدأت تخرج من العظم المكسور مثل الديدان السريعة، تنسج نفسها، تبحث عن بعضها، وتلتحم. العظم بدأ ينمو ويستطيل بصرير مسموع. كانت عملية مؤلمة أكثر من القطع نفسه، لكنها كانت سريعة بجنون.

[الجولة الثانية]

الجيش لم ينتظرني لأتعافى. عشرة آخرون قفزوا نحوي، سلاسلهم وسيوفهم تلمع. هذه المرة، لم أحاول أن أكون "مقاتلاً". لم أتخذ وضعية ملاكمة. أدركتُ الحقيقة. أنا لست سيافاً. لستُ بطلاً في الروايات. أنا وحش صنع جسده في الجحيم. والوحوش لا تراوغ.. الوحوش تفتك.

اندفعتُ وسطهم. منجل أصاب كتفي الأيمن وشقه. رمح اخترق فخذي الأيسر وخرج من الجهة الأخرى. لم أهتم. لم أتوقف. كنتُ أرى نقاط ضعفهم باللون الأحمر الساطع والمتوهج (القلب المتضخم، العقدة العصبية في العمود الفقري، الرقبة الهشة). وبدلاً من تفادي ضرباتهم، كنتُ أتقبل الضربة لأقترب منهم مسافة صفر.

أحدهم غرس سيفاً طويلاً في بطني حتى خرج من ظهري. لم أتراجع. أمسكتُ السيف بيدي (بينما هو لا يزال في أحشائي) وسحبتُ المسخ نحوي بقوة جعلته يطير إلي. "تعال هنا!" نطحته برأسي الصلب. "طراخ!" تهشم وجهه تماماً. ثم قضمته في رقبته بأسناني، وانتزعتُ شريانه الرئيسي وبصقتُ قطعة من لحمه.

تحولت الساحة لمجزرة دموية فوضوية. كنتُ أتحرك كإعصار أخرق ومدمر. أسقط، أنهض، أُضرب، أضرب. يدي اليسرى نمت من جديد، لكن الجلد كان وردياً وشفافاً ورقيقاً كجلد الطفل، والعضلات تحتها مرئية. لم أنتظر تصلب الجلد. استخدمت اليد الجديدة فوراً لكسر عمود فقري لمسخ آخر حاول طعني من الخلف.

القوة.. القوة الجسدية كانت مخيفة. لمسة واحدة مني كانت كفيلة بتمزيق أطرافهم. أمسكتُ أحد المسوخ من ساقه، واستخدمتُ جسده الضخم كهراوة لضرب البقية. كنتُ ألوح به يميناً ويساراً، أحطم به رؤوس رفاقه حتى تحول جسده لكومة من اللحم المهروس والعظم المفتت في يدي، ولم يتبقَ منه سوى الساق التي أمسكها.

العيون الحمراء كانت تريني كل زاوية. 360 درجة من الوعي القتالي. خلفي، يميني، يساري. كنتُ أرقص وسط الدماء، وكل خطوة خاطئة مني كانت تكلفني جرحاً عميقاً أو قطعاً، لكنها تكلفهم حياتهم. الأرض تحولت لمستنقع زلق من الأشلاء.

[سيد الساحة]

بعد ساعة.. أو ربما دهر.. هدأ الضجيج. كنتُ واقفاً في المنتصف، فوق تلة صغيرة من الجثث. أنفاسي تخرج كبخار حار وصفير من صدري المليء بالجروح. الأرضية لم تعد حمراء. كانت مغطاة بطبقات من اللحم المفروم. جسدي كان خارطة حية من الجروح التي تلتئم وتفتح مرة أخرى. كنتُ مغطى بالدم (دمي ودمهم) من قمة رأسي لأخمص قدمي، حتى أنني لم أعد أرى لون جلدي الأصلي.

نظرتُ ليديّ. كانت ترتجفان بعنف. ليس من الخوف، بل من فرط الطاقة والأدرينالين السام. "هل.. هل هذا كل شيء؟" بصقتُ سناً مكسوراً وقطعة لحم عالقة في فمي.

فجأة.. "بوووووم..." اهتزت الأرض. اهتزاز عنيف وعميق جعل الجثث تقفز من مكانها وتتدحرج. البوابة الضخمة الحديدية في نهاية الساحة، التي كانت مغلقة بالسلاسل، بدأت تفتح ببطء. سلاسل حديدية سميكة (بحجم جذع شجرة) تُسحب بصوت صرير معدني يخلع القلوب.

"كرررررر..."

انفتح الظلام. وخرج منه شيء جعل المسوخ السابقة تبدو كالألعاب البلاستيكية. سيد الساحة. عملاق بارتفاع خمسة أمتار. كتلة من العضلات الرمادية الميتة. جسده لم يكن لحماً فقط.. بل كان تحفة من التعذيب. دروع معدنية سميكة غُرست في جلده وشُدَّت بالمسامير والخطافات لتصبح جزءاً من جسده. يحمل في يده مطرقة حرب ضخمة جداً، رأسها وحده بحجمي أنا، ملطخة بدماء وأدمغة ضحايا سابقين لا حصر لهم. وجهه مغطى بقناع حديدي ملحوم على جمجمته، له فتحات ضيقة تتوهج منها عيون صفراء مريضة ومليئة بالذكاء الخبيث.

زفر العملاق، فخرج دخان أخضر سام وكثيف من فتحات قناعه، يزحف على الأرض ويذيب الجثث التي يلمسها. مشى خطوة واحدة. اهتزت الساحة. نظر إليّ، ثم للمجزرة حولي، وكأنه يقيم الفوضى التي أحدثتها. رفع مطرقته الهائلة بيده الواحدة، وأشار برأسها نحوي ببطء.

شعرتُ بقلبي يقرع طبول الحرب. هذا ليس مسخاً عشوائياً. هذا "ند". ابتسمتُ، وشعرتُ بجلد وجهي يشد على الندوب الجديدة ويتمزق قليلاً لتتسع الابتسامة. عيناي الحمراء توهجتا بحدة أكبر، تاركة ذيلاً ضوئياً في الهواء. مسحتُ الدم عن عيني لكي أرى موتي -أو مجدي- بوضوح.

"أخيراً.." همستُ، وأنا أشد عضلات جسدي المنهك، مستعداً للاندفاع الأخير. "شيء يستحق القتل."

2026/01/11 · 13 مشاهدة · 1358 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026