تحرك العملاق. لم يكن بطيئاً كما يوحي حجمه الهائل. كانت حركته خادعة، انسيابية بشكل مرعب، وكأن الجاذبية لا تؤثر على أطنان اللحم والمعدن التي يحملها. بخطوة واحدة هائلة، قطع نصف مسافة الساحة. ارتفعت مطرقة الحرب الحديدية الضخمة فوق رأسه، حاجزةً الضوء الأبيض للسقف، لتلقي بظل أسود طويل ابتلعني بالكامل. سمعتُ صوت تمزق الهواء بينما تهوي المطرقة كنيزك ساقط.
"راقب.." عيناي القرمزيتان رصدتا انقباض العضلات تحت دروعه الصدئة. (التحليل: ضربة عمودية ساحقة. نطاق التأثير: 5 أمتار. الارتداد: مميت.)
قفزتُ جانباً بكل ما أوتيت من قوة في ألياف ساقي الجديدة. "بـــــووووووم!"
المطرقة ضربت الأرض حيث كنت أقف قبل جزء من الألف من الثانية. الارتطام لم يكن مجرد صوت. كان زلزالاً موضعياً. الأرضية الطينية واللحمية انفجرت. شظايا الحجر والعظام المتناثرة تطايرت كالشظايا الحادة في كل اتجاه. موجة الصدمة ضربتني وأنا في الهواء، وكأن يداً خفية عملاقة صفعتني، وقذفتني بعيداً لأرتطم بالجدار العظمي للساحة بصوت "طراخ" مؤلم.
"كححح.." سعلتُ دماً فوراً. أضلاعي.. ثلاثة منها تهشمت على الأقل من ضغط الهواء والارتطام. نهضتُ بسرعة، متجاهلاً الألم الذي يصرخ في صدري. [التجدد الهائج: يعمل.] شعرتُ بالعظام تتحرك لتعود لمكانها، لكن التجدد كان بطيئاً هذه المرة. طاقتي تستنزف. الضربة كانت أثقل مما توقعت.
العملاق لم ينتظرني لألتقط أنفاسي. سحب مطرقته من الحفرة التي أحدثتها وكأنها ريشة، ولوح بها أفقياً هذه المرة بنية مسح الساحة بالكامل وقطعي لنصفين. المطرقة قادمة نحوي كقطار شحن خرج عن مساره. لا مجال للقفز فوقها، فهي ضخمة وعالية جداً.
"انخفض!" رميتُ نفسي على الأرض المسطحة المليئة بالأشلاء، زاحفاً تحت مسار المطرقة. "ووووووووش!" مرت الكتلة الحديدية فوق رأسي بسنتيمترات قليلة. شعرتُ بضغط الهواء الهائل يضغط جمجمتي ويقتلع خصلات من شعري. الصوت وحده كان كفيلاً بتمزيق طبلة الأذن.
نهضتُ فوراً. هذه فرصتي. بينما هو يعيد توازن المطرقة الثقيلة بعد الضربة الطائشة، ركضتُ نحوه. "عين الخطيئة.. أرني نقطة ضعفه! أين يختبئ قلب هذا الوحش؟" نظرتُ لجسده العملاق بعيوني المتوهجة. دروع.. دروع.. دروع. الصفائح المعدنية لم تكن ملبوسة، بل كانت مغروزة في جلده مباشرة بمسامير صدئة تخترق اللحم والعظم. لا توجد فجوة. حتى المفاصل مغطاة بحلقات حديدية متداخلة .
وصلتُ لقدمه اليمنى. لكمتُ ركبته الجانبية بكل قوتي المعززة. "طــــاااان!" صوت معدن يضرب معدناً. ارتد ذراعي بألم شديد. يدي خدرت تماماً. العظم في قبضتي تشقق من قوة الارتطام. العملاق لم يهتز. لم يرمش حتى. نظر للأسفل نحوي بعيونه الصفراء المريضة، وكأنه ينظر لحشرة مزعجة تحاول لدغ فيل. رفع قدمه الضخمة المصفحة.. وركلني.
لم أستطع التفادي هذه المرة. الركلة أصابت صدري مباشرة. شعرتُ وكأن مبنىً سقط عليّ. طرتُ عبر الساحة كالدمية المحطمة. اخترقتُ كومة من جثث المسوخ السابقة، وتدحرجتُ في الطين والدماء، لارتطم بالأرض على بعد عشرين متراً.
"آغغغ..." حاولتُ التنفس. لا هواء. رئتاي انضغطتا تماماً. الدم بدأ يخرج من عينيّ وأذنيّ من شدة الضغط الداخلي. "إنه.. حصن متحرك.." العملاق بدأ يمشي نحوي ببطء وثقة، المطرقة تجر على الأرض خلفه وتصدر شراراً وصريراً مرعباً. كرررر.. كرررر.. صوت الموت يقترب.
"فكر يا راي.. فكر!" صرختُ في عقلي المشوش. "القوة الغاشمة لن تنفع. جلده أصلب، ومطرقته أثقل. ابحث عن الثغرة!" عيناي الحمراوان تجولتا بجنون في جسده وهو يقترب. الخوذة.. مغلقة بإحكام. الصدر.. مصفح بطبقات مزدوجة. ثم.. رأيتُ شيئاً. عندما رفع ذراعه الضخمة ليسحب المطرقة للأعلى استعداداً للضربة القادمة.. رأيتُ توهجاً أحمر خافتاً جداً تحت إبطه الأيمن. هناك.. فجوة صغيرة جداً في الدروع، تركت عمداً للسماح بحركة الذراع بحرية. جلد رمادي رقيق.. وتحته شريان رئيسي ينبض بقوة (الشريان الإبطي). لكنها عالية جداً. ومحمية بذراعه الضخمة، وبالمطرقة نفسها.
"كيف أصل لهناك؟" نظرتُ للمطرقة التي ترتفع. نظرتُ ليده التي تمسك المطرقة. ابتسمتُ، والدم يملأ فمي ويصبغ أسناني. خطرت لي فكرة مجنونة. فكرة انتحارية لا يقبلها عقل سليم. "إذا لم أستطع الوصول إليه من الخارج.. سأجعله يحملني إليه."
وقفتُ بصعوبة، وساقاي ترتجفان. العملاق وصل. وقف أمامي كالجبل، حاجبًا كل شيء. رفع المطرقة للضربة القاضية التي ستحولني لعجين. هذه المرة، لم أهرب. لم أتراجع للخلف. وقفتُ مكاني بثبات، فاتحاً ذراعيّ. "هيا أيها القبيح!" صرختُ فيه، والدم يتطاير من فمي. "أنهِ الأمر!"
العملاق استجاب للتحدي. زفر دخانه السام، وهوى بالمطرقة مباشرة وعمودياً على رأسي ليدهسني. في اللحظة الأخيرة.. اللحظة التي تسبق الموت بمليمترات. فعلتُ الشيء المجنون. لم أقفز بعيداً. قفزتُ تجاه المطرقة. قفزتُ لداخل "الدائرة القاتلة".
"طرااااااخ!" المطرقة ضربت الأرض، لكنني لم أكن تحتها. كنتُ فوقها. في جزء من الثانية قبل الارتطام، قفزتُ وأمسكتُ بـ المقبض الخشبي الضخم للمطرقة. قوة الارتطام انتقلت عبر المقبض إلى جسدي. شعرتُ بكتفي الأيسر ينخلع من مكانه فوراً. عظمة الترقوة تحطمت. صرختُ من الألم، لكنني.. تمسكتُ. غرزتُ مخالبي في الخشب المتعفن لمقبض المطرقة، وتعلقتُ بها كالقرادة العنيدة.
العملاق فوجئ. شعر بالوزن الزائد على سلاحه. رفع المطرقة للأعلى بسرعة ليرميني عنها. وهذا ما أردته تماماً. ارتفعتُ معه في الهواء. صرتُ بمستوى وجهه وصدره. تركتُ المقبض، وقفزتُ في الهواء نحو صدره المصفح. تشبثتُ بالدرع المعدني البارد، أظافري انكسرت وهي تحاول إيجاد ممسك في الشقوق. العملاق ترك المطرقة تسقط، وحاول الإمساك بي بيده الحرة (اليسرى) ليعصرني وينتزعني عن صدره.
يده الضخمة طبقت على جسدي بالكامل. شعرتُ بأضلاعي المتبقية تطقطق وتتحطم واحدة تلو الأخرى. الألم كان لا يوصف. كنتُ محشوراً في قبضته، يعصرني كليمونة. الدم ينفجر من فمي وأنفاسي تنقطع. رؤيتي بدأت تسود.
لكن.. يدي اليمنى كانت حرة. وإبطه الأيمن.. كان أمامي مباشرة، على بعد سنتيمترات، مكشوفاً لأنه رفع ذراعه ليمسكني. عيناي ركزتا على النقطة الحمراء المتوهجة. الشريان النابض بالحياة السوداء.
"مـ.. مــت!" زمجرتُ من خلال الدم. مددتُ يدي اليمنى. جعلتُ أصابعي مستقيمة وقوية كرمح من العظم. وغرستها بكل ما أوتيت من قوة متبقية، وبكل طاقة التجدد، في الفجوة الصغيرة.
"سشوك!" اخترقتُ الجلد الرقيق. غاصت يدي في اللحم الطري والدافئ. شعرتُ بالنبض القوي والمجنون للشريان تحت أصابعي. لم أقطعه.. بل أمسكته، لفيته حول أصابعي، وسحبته للخارج بعنف وحشي.
"رووووووووووووواااااااااااار!"
أطلق العملاق صرخة ألم هزت أركان الساحة، وكأن السماء انشقت. الدم الأسود اندفع من تحت إبطه كنافورة ضغط عالي، مغرقاً وجهي وجسدي بسائل لزج وحار. قبضته التي تعصرني ارتخت فجأة من صدمة الألم. سقطتُ من علو ثلاثة أمتار، وارتطمتُ بالأرض بقوة.
لكنني لم أنتهِ. ولم ينتهِ هو. الشريان كان مقطوعاً، والدم يتدفق كالنهر، لكن العملاق لا يزال واقفاً. بدأ يترنح، يضرب الهواء بيديه، ويحاول الدوس عليّ بقدمه بجنون عشوائي. كان يحتضر، لكنه في هيجانه الأخير كان أخطر من أي وقت مضى. ركلة عشوائية أصابت ساقي اليسرى وأنا أحاول الزحف مبتعداً. "طــق!" صوت جاف ومقزز. انكسرت ساقي بزاوية بشعة، والعظم برز من الجلد. صرختُ، وعضضت على الأرض الطينية لأكتم الألم.
زحفتُ للخلف باستخدام يدي فقط، ألهث، وعيني لا تفارق وحش اللحم والحديد وهو يضرب الهواء، والنزيف يستنزف حياته قطرة قطرة. بدأت حركاته تتباطأ. سقط العملاق على ركبتيه أولاً، مما جعل الأرض تهتز. نظر إليّ بعينيه الصفراوين اللتين بدأ نورهما يخبو. ثم.. تهاوى للأمام. سقط على وجهه بصوت ارتطام هائل. الدم الأسود تدفق وشكل بحيرة واسعة حوله، تلامس أطراف أصابعي.
ساد الصمت. كنتُ مستلقياً على ظهري، وسط الطين والدم، غير قادر على الحركة. جسدي مدمر بالكامل. كتفي مخلوع، صدري مهشم، وساقي مكسورة، وأحشائي تضررت. "التجدد الهائج" يعمل بأقصى طاقته، يستهلك كل ذرة طاقة متبقية في خلاياي لترميم هذا الحطام. الألم الناتج عن التئام العظام المكسورة بالقوة كان يجعل جسدي ينتفض بتشنجات لا إرادية.
[المرحلة الرابعة: اكتملت.] [الهدف: تم القضاء على "حارس البوابة".] [التقييم: وحشي.] [المكافأة: مفتاح الباب الأبيض.]
سمعتُ صوت البوابة الخلفية للساحة (خلف جثة العملاق) تفتح. لم يكن خلفها ظلام. كان خلفها ذلك الممر الأبيض الهادئ.. الممر المؤدي لما بعد هذا الجحيم.
حاولتُ الوقوف. صرختُ، وسقطتُ مجدداً. "لا.. يجب أن أمشي.." استندتُ على جثة مسخ بجانبي، وقفتُ على ساق واحدة بصعوبة، وجررتُ الساق المكسورة خلفي. مشيتُ ببطء.. خطوة.. خطوة.. والدم يقطر مني. مررتُ بجانب رأس العملاق الميت. بصقتُ دماً ومخاطاً على قناعه الحديدي. "أنت قوي.." همستُ. "لكنني.. أكثر جنوناً."
وصلتُ للباب الأبيض. الضوء كان ساطعاً، دافئاً، ومرحباً. دخلتُ فيه.. تاركاً الساحة الدموية، والمطرقة، والجثث خلفي.
بمجرد عبوري، انغلق الباب واختفى الضجيج، واختفت الرائحة. عاد الهدوء المعقم للفراغ الأبيض. سقطتُ على وجهي على الأرضية البيضاء الباردة والنظيفة. أغمضتُ عيني، وشعرتُ بالوعي ينسحب مني بلطف. "نجوتُ.."
[تم فتح الباب الخامس.] [جاري معالجة الأضرار الحرجة..]