[الممر الأبيض - منطقة التعافي]

لا أعرف كم مر من الوقت وأنا مستلقٍ على تلك الأرضية البيضاء الباردة. هل كانت ساعة؟ يوماً؟ سنة؟ في هذا الممر الفاصل بين الأبواب، الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل هو دائرة مفرغة من الهلاوس والألم. كنتُ أغفو وأستيقظ على إيقاع عظامي وهي تعيد ترتيب نفسها بصريرٍ معدني مقزز، وعلى حرارة عضلاتي وهي تنسج خيوطها الممزقة من جديد تحت إشراف "التجدد الهائج" الذي لم يعد يهدأ.

في كل مرة أغمض فيها عيني، كانت الكوابيس تنهش ما تبقى من عقلي. كنتُ أرى وجهي وهو يذوب.. أرى أطرافي وهي تتحول لسُلّم.. أسمع صوت قضم لحمي النيء يتردد في أذني كأنه صراخ. رائحة دمي المحروق في الصحراء البيضاء كانت عالقة في جيوبي الأنفية كطبقة من الصدأ، تجعل كل شهيق آخذه يبدو كأنه طعنة خنجر صدئ في رئتي.

لكن فجأة.. شيءٌ ما تغير.

لم يكن ألماً جديداً، ولم يكن صوت إنذار النظام البارد. كانت رائحة.

نسيم خفيف، رقيق، وغير مرئي داعب وجهي المتسخ بالدماء الجافة، متسللاً عبر شقوق الممر المعقم. حمل معه عطراً نسيتُ وجوده في هذا الكون الملعون؛ رائحة شيء حلو.. رطب.. زكي.. مفعم بـ "الحياة". كانت رائحة تشبه الياسمين المبلل بماء المطر، ممزوجة بعبير الأرض الخصبة وثمار الفاكهة الناضجة. بالنسبة لكيانٍ مثلي، أكل من نفسه وعاش في الملح والدم، كانت هذه الرائحة "هجوماً حاسياً" أعنف من أي ضربة مطرقة.

فتحتُ عينيّ. كانت لا تزال متوهجة باللون الأحمر القاني، والخطان الأسودان داخلها ينبضان ببطء. نظرتُ ليدي الجديدة؛ كانت ناعمة، خالية من الندوب، لكنها تحمل "ذاكرة" الألم بداخلها. نهضتُ ببطء، وتتبعتُ الرائحة مثل حيوانٍ بري شمَّ رائحة طريدة، أو مثل غريق يلمح سطح الماء.

مشيتُ في الممر، وجسدي يرتجف ليس خوفاً، بل من شدة الغرابة. في نهاية الممر، لم يظهر بابٌ فولاذي مشوه، بل ظهر بابٌ خشبي.

كان بسيطاً، قديماً، مصنوعاً من خشب البلوط الداكن الذي يحمل عروقاً طبيعية دافئة. كان موارباً قليلاً، يخرج من شقه ضوء ذهبي دافئ، ضوء يشبه شروق الشمس الذي لم أره منذ دهر.

"الباب الخامس.." تمتمتُ، وصوتي لا يزال يحمل تلك الرنة المعدنية الموحشة. "ماذا تخبئون لي خلف هذا الجمال؟"

وضعتُ يدي على الخشب الدافئ. كان ملمسه حقيقياً لدرجة مؤلمة. دفعتُ الباب ببطء.. "ووووووش..."

الضوء الذي استقبلني لم يحرق شبكيتي كما فعلت صحراء الملح. كان ضوءاً ذهبياً، حنوناً، يتسلل بدفء لداخل جمجمتي الباردة ويذيب الجليد المتراكم خلف عيوني. شهقتُ بقوة. الهواء هنا له "طعم". طعم الأكسجين النقي المشبع برائحة التربة المبللة بعد المطر، ورائحة الأزهار البرية، وراتنج الأشجار. طعم الحرية.

[الوادي الأخضر]

خطوتُ للداخل بحذر، متوقعاً فخاً. قدمي العارية، التي اعتادت على الطين والدم والملح الحارق، لامست شيئاً ناعماً، بارداً، وحريراً. نظرتُ للأسفل بذهول. عشب. عشب أخضر زمردي كثيف، يغطي وادياً شاسعاً يمتد أمام عيني إلى ما لا نهاية. رفعتُ رأسي ببطء، غير مصدق. سلاسل جبال شاهقة تعانق قمماً بيضاء من الثلج، وسحباً قطنية تسبح بكسل في سماء زرقاء صافية بشكل مستحيل. شلالات بعيدة تهدر بصوت موسيقي، تصب مياهها الفضية في نهر فيروزي يقطع الوادي كشريان حياة.

"هل هذا فخ؟" كان هذا أول تفكير قفز لذهني. تفكير من عاش في الجحيم واعتاد الخيانة. مسحتُ المكان بعيني الحمراء (وضع القتال). بحثتُ عن حرارة وحوش مختبئة، عن فخاخ سحرية، عن أي شيء يريد قتلي. لا شيء. الخطوط الحمراء الوحيدة التي رصدتها كانت لغزال صغير يشرب من النهر بسلام، ولعصافير ملونة تطارد بعضها بين الأشجار.

أطفأتُ عيني. عدتُ للألوان الطبيعية. سقطتُ على ركبتي وسط العشب. الجمال.. الجمال كان مؤلماً أكثر من القبح. القبح اعتدتُ عليه، تأقلمتُ معه. لكن الجمال.. الجمال ذكرني بما فقدته. ذكرني بمنزلي، بوالديّ، وبالعالم الذي حُرمت منه. غرزتُ أصابعي في التربة الرطبة، وبكيتُ بلا دموع.

[المرشد]

مشيتُ في الوادي لساعات، بلا هدف، فقط لأشعر بالحياة. لمستُ جذوع الأشجار الخشنة بيدي التي قتلت المئات. مررتُ يدي في مياه النهر الباردة وشربت منها حتى ارتويت. كل حاسة من حواسي كانت تحتفل بعودتها للحياة.

وصلتُ لشجرة عملاقة، جذورها بارزة وضخمة كعروق الأرض نفسها. وتحت ظلها الوارف.. كان هناك كوخ خشبي صغير، بسيط، وكأنه خرج من قصص الأطفال المصورة. وأمام الكوخ، جلس رجل عجوز. كان يرتدي ثوباً بسيطاً من الكتان الخشن. شعره أبيض طويل مربوط للخلف، ولحيته تصل لصدره. كان يغمض عينيه، ويستمع لصوت الريح وهي تداعب الأغصان، ويدخن غليوناً طويلاً ينبعث منه دخان برائحة التبغ والكرز.

توقفتُ. جسدي توتر تلقائياً. هل هو عدو؟ هل هو حارس البوابة الخامسة؟ "أخذتَ وقتاً طويلاً لتصل إلى هنا يا بني.." قالها العجوز بصوت هادئ وعميق، دون أن يفتح عينيه، ودون أن يلتفت.

تصلبتُ مكاني، وعيناي تضيقان بشك. "من أنت؟" سألتُ بصوت أجش. "هل أنت التحدي التالي؟"

فتح العجوز عينيه ببطء. لم تكن حمراء، ولا صفراء، ولا سوداء. كانت زرقاء. زرقاء صافية كالسماء فوقنا، مليئة بحكمة قرون من الزمان. ابتسم، وتجاعيد وجهه العميقة تحركت بوداعة. "تحدي؟ لا.." ضحك بخفة ونفض الرماد عن غليونه. "أنا مجرد استراحة. أنا مرشد هذا المكان.. أو يمكنك مناداتي بالجد، كما يفعلون في قصصكم البشرية."

لم أجب. ظللتُ واقفاً، عضلاتي مشدودة. لاحظ العجوز توتري، فأشار بيده النحيلة لسلة قش بجانبه. "اجلس. أنت متعب، وجائع."

نظرتُ للسلة. تفاح أحمر لامع. عناقيد عنب ناضجة. رغيف خبز طازج. وجرة ماء. معدتي، التي كانت تأكل نفسها في الصحراء البيضاء، أصدرت صوتاً كالرعد، كاسرة هدوء المكان الفاضح. ضحك العجوز مرة أخرى، ضحكة تشبه صوت تكسر الأغصان الجافة. "الجحيم يجعلك جائعاً، أليس كذلك؟ تعال. الطعام حقيقي، وأنا حقيقي.. بقدر ما يهمك الأمر."

اقتربتُ بحذر، وجلستُ على العشب، عيني لا تفارقه. أخذتُ تفاحة. قضمتها. "قرش!" صوت القرمشة، السائل الحلو الحامض الذي انفجر في فمي، نكهة الفاكهة الطازجة.. للحظة، أغمضتُ عيني، وشعرتُ برعشة تسري في جسدي. لم يكن مجرد طعام. كان تذكيراً بإنسانيتي. لم آكل كوحش يلتهم فريسة ليبقى حياً.. بل أكلتُ كإنسان يتذوق النعمة. سالت دمعة واحدة من عيني، اختلطت بعصير التفاح.

العجوز لم يسألني شيئاً. لم يقل "لماذا تبكي؟". فقط دخن غليونه بصمت، وتركني أستعيد شتات نفسي، لقمة تلو الأخرى.

[ليلة بلا كوابيس]

جاء الليل. سماء الوادي لم تكن سقفاً أسود كئيباً. كانت كوناً واسعاً، مرصعاً بملايين النجوم التي تتلألأ كالألماس، ومجرة درب التبانة تمتد كشريط من الحليب عبر السماء. تمددتُ على العشب الناعم تحت الشجرة العملاقة، وأنا أنظر للأعلى. العجوز دخل كوخه لينام، تاركاً إياي مع الكون.

"يا جد.." همستُ بصوت خافت، خائفاً أن يكسر صوتي هذا السحر. "هل هذا حقيقي؟ أم أنني لا أزال في الممر الأبيض، وعقلي اخترع كل هذا ليهرب من الجنون؟"

جاء صوته من داخل الكوخ، ممتزجاً مع صوت صراصير الليل الهادئ: "إنه حقيقي بقدر ما تسمح له أن يكون يا بني. الحقيقة هي ما يؤمن به قلبك، لا ما تراه عينك."

أغمضتُ عيني. تنفس صدري بانتظام. ولأول مرة منذ أن دخلت هذا العالم الملعون.. منذ أن رأيتُ النار تلتهم منزلي.. نمتُ. نمتُ بلا خوف، بلا مطاردة، وبلا كوابيس. نمتُ كطفل في مهد الطبيعة.

2026/01/12 · 17 مشاهدة · 1044 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026