3 - الكدمات التي لا تبقى

بينما كنتُ أجرُّ خطاي الثقيلة نحو المنزل، لم يكن الطريق مجرد مسافة جغرافية تقاس بالكيلومترات، بل كان جحيماً مصغراً يتمدد مع كل زفير مجهد. كانت الجاذبية في تلك الليلة تبدو وكأنها تآمرت ضدي، تشدُّ جسدي المحطم نحو الأسفل بقسوة. كل خطوة تخطوها قدمي اليسرى كانت تطلق شرارة كهربائية من الألم الحاد، تبدأ من كاحلي الملتوي، وتتسلق ساقي لتستقر في ضلوعي المكدومة التي كانت تصرخ مع كل حركة، قبل أن تنتهي بنبض حارق ومنتظم في وجنتي المتورمة التي خُيِّل لي أنها ستنفجر من شدة الضغط.

الهواء الخريفي البارد الذي كنت أستنشقه لم يكن يمنحني الانتعاش، بل كان له طعم معدني لا يخطئه لسان.. طعم الصدأ، أو ربما هو طعم دمي الخاص الذي استقر في جوفي ولا يزال يتسرب ببطء من جرح غائر في شفتي الداخلية. كنتُ أبصق بين الحين والآخر، متفرجاً على الخيوط الحمراء اللزجة وهي تلوث الرصيف الرمادي البارد، متسائلاً كيف يمكن لجسد بشري أن يحتوي على كل هذا الوجع دون أن يتوقف عن العمل.

"جين" كان يمشي بجانبي، وظله يمتد طويلاً تحت أضواء الشوارع الخافتة. كان يحمل حقيبتي المدرسية على كتفه بالإضافة لحقيبته، مما جعله يبدو وكأنه يحمل أثقال العالم كله. كان صمته خانقاً، أثقل بكثير من وزن الحقائب. جين، الذي لا تتوقف حباله الصوتية عن الاهتزاز بالثرثرة والنكات عادةً، كان يحدق في الأرض بتركيز مبالغ فيه، يركل الحصى الصغير بحذائه الرياضي، ويختلس النظر إليَّ كل بضع ثوانٍ. كنت أرى في عينيه مزيجاً مروعاً من الغضب المتفجر والعجز القاتل. كان يلوم نفسه، وهذا الوعي كان يضاعف ألمي النفسي فوق حطامي الجسدي.

"هل أنت متأكد من هذا يا راي؟" كسر جين الصمت أخيراً، وجاء صوته مخنوقاً، مبحوحاً وكأنه يخرج من بئر عميق. "المستشفى لا يبعد سوى شارعين. يمكننا أن نختلق أي قصة.. حادث دراجة، سقطة من مرتفع.. أي شيء سوى العودة هكذا"

"أنا.. بخير،" أجبتُ، واضطررت للتوقف تماماً لأبصق مجدداً. مسحت فمي بظهر يدي، تاركاً مسحة دموية على جلدي الشاحب. "أمي.. أمي ستصاب بنوبة قلبية لو رأت شرطياً أو طبيباً. سأخبرها أنها كانت مجرد كرة طائشة في الملعب، أو سقطة غبية. هي تعتقد بالفعل أنني أخرق، وسيكون من السهل عليها تصديق أنني تعثرت بظلي"

وصلنا أخيراً أمام باب منزلي الخشبي القديم الذي تآكلت أطرافه بفعل الزمن. قبل أن أدفع الباب، وضع جين يده على كتفي بقوة جعلتني أرتعش. "راي.. " ناداني، ونظرت في عينيه لأرى انعكاس وجهي المشوه فيهما. كانت عيني اليمنى مغلقة تماماً بسبب التورم الأزرق، وشفتي كانت تبدو وكأنها قطعة من اللحم المفروم. "أنا آسف.. كان يجب أن أكون هناك، كان يجب أن أفعل شيئاً"

"لا تعتذر يا جين،" قلتها بجمود، محاولاً إخفاء الارتجاف في صوتي. "الدرس كان لي وحدي، ولم يكن مخصصاً لك"

دخلتُ المنزل وأغلقت الباب خلفي بهدوء شديد، وكأنني أحاول إغلاق صفحة من العذاب. استندت بظهري على الخشب البارد، وأغمضت عيني، محاولاً تهدئة إيقاع قلبي الذي كان يقرع صدري كمطرقة هائجة. كان المنزل هادئاً بشكل يدعو للسكينة، ورائحة التوابل والليمون الدافئة المنبعثة من المطبخ كانت تداعب حواسي؛ إنها رائحة "الأمان" الذي عرفته طوال حياتي. لكن اليوم، كانت رائحة الحديد والدم المنبعثة من ملابسي ومن فمي تفسد هذا السلام، وتذكرني بأنني لم أعد ذلك الفتى الآمن.

حاولت التسلسل نحو غرفتي في الطابق العلوي. مشيت على أطراف أصابعي، محاولاً تجنب الألواح الخشبية التي أعرف أماكن صريرها جيداً. لكن الحظ لم يكن حليفي. "راي؟ هل هذا أنت؟" جاء صوت أمي من المطبخ، متبوعاً بخطواتها السريعة والواثقة. "لماذا تأخرت هكذا؟ لقد قلقت عليك كثيراً، هل كنت م..."

توقفت الكلمات في حلقها فجأة. خرجت أمي من المطبخ وهي تحمل صحن سلطة ملوناً. التقت أعيننا في تلك اللحظة، وساد صمت مطبق كان صراخه أعلى من أي صوت آخر. رأيت حدقتيها تتسعان ببطء مروع وهي تتفحص وجه ابنها الوحيد الملطخ بالدماء والندوب. "طرااااخ!" سقط الصحن من يدها ليتفتت الخزف وتتناثر الخضروات في كل مكان على الأرضية. لم تعر الأمر اهتماماً، بل ركضت نحوي بصيحة أمومة مفزعة هزت أركان المنزل.

"يا إلهي! راي! ما هذا؟ ما الذي حدث لك؟" كانت يداها ترتجفان في الهواء، تقتربان من وجهي ثم تتراجعان، لا تعرفان أين تلمسانني دون أن تتسببا في مزيد من الألم. "وجهك.. هناك دم في كل مكان! عينك!" وضعت كفيها الدافئين على وجنتي برقة متناهية، وبدأت دموعها تنهمر كالسيل فوراً. "من فعل بك هذا؟ أخبرني! هل تعرضت للسرقة؟ هل هي عصابة؟ سأتصل بالشرطة في هذه اللحظة!"

"لا يا أمي.. أرجوكِ، لا." أمسكت معصميها بقوة محاولاً تهدئتها، وحاولت رسم ابتسامة طفيفة، لكن الحركة مزقت القشرة الرقيقة التي تكونت فوق شفتي، ليسيل خيط دم جديد. "لقد تعثرت.. سقطت على الدرج الأسمنتي في المدرسة وأنا أركض. أنتِ تعرفين كم أنا أخرق، أليس كذلك؟"

نظرت إليَّ بشك مرير، وكانت عيناها تبحثان عن الحقيقة المختبئة وراء جفني المتورم، لكن رغبتي في حمايتها من الواقع جعلت كذبتي تبدو صلبة بما يكفي. سحبتني بهدوء مرعب نحو الحمام، وأجلستني على حافة حوض الاستحمام الأبيض البارد. فتحت خزانة الإسعافات بسرعة، وأخرجت المعقم، القطن، والشاش.

بدأت تنظف جروحي بلمسات رقيقة تشوبها الرعشة. "آه." تأوهت لا إرادياً عندما لامس الكحول الجرح المفتوح فوق حاجبي، وشعرت بحرقة تنهش جلدي. "تحمل يا حبيبي.. تحمل،" همست أمي وصوتها يختنق بالشهقات. "الجرح عميق جداً.. اللحم مفتوح بشكل مخيف. قد نحتاج للذهاب للمستشفى لخياطته" نظرتُ للمرآة فوق الحوض، وكان المشهد سريالياً؛ وجهي كان عبارة عن لوحة من التورم والألوان الزرقاء والبنفسجية، والرقبة كانت تحمل آثار أصابع واضحة.

إذا كنت تقرأ هذا الفصل خارج مـركـز الروايات فاعرف أن الموقع الذي تقرأ منه سارق للمحتوى. markazriwayat.com

بعد وقت طويل من العذاب الصامت والتنظيف، كنت مضمداً بالكامل. أخذتني لغرفتي، أطعمتني بعض الحساء الساخن بيديها وكأنني عدت طفلاً صغيراً، ثم غطتني باللحاف الثقيل. "نم الآن.. النوم هو الدواء الوحيد لهذا الألم" قبلت جبيني السليم، وأطفأت النور، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

بقيت وحيداً في عتمة الغرفة. كان جسدي ينبض بالألم مع كل دقة قلب، كأن مطرقة تضرب كدماتي بانتظام. أغمضت عيني محاولاً الهروب إلى النوم، لكن في منتصف الليل، حدث شيء لم يكن في الحسبان. تغيرت طبيعة الألم فجأة؛ لم يختفِ، بل "تحول". لم يعد وجعاً ثقيلاً ومملاً، بل أصبح "حكة" جنونية وحرارة غريبة تسري في عروقي.

شعرت وكأن جيوشاً من النمل المجهري تزحف تحت جلدي، داخل عضلاتي وأنسجتي. شعرت بخيوط من النار تخيط التمزقات الداخلية، وترمم العظام المصدوعة. لم يكن هذا شفاءً أعرفه أو سمعت عنه؛ كان يبدو آلياً، دقيقاً، وبارداً. وفي أعماق وعيي الغائم، بدأت تومض كلمات خضراء غامضة خلف جفوني، وكأنها شاشة حاسوب مدمجة في عقلي:

[تنبيه: أضرار جسدية جسيمة مكتشفة في الأنسجة الرخوة والهيكل العظمي.] [بدء بروتوكول الإصلاح الحيوي الطارئ المستوى الثالث.] [إعادة بناء الأنسجة المتمزقة: 22%... 58%... 91%... اكتمل.] [معالجة الكدمات والنزيف الداخلي: اكتمل.]

عندما استيقظت في الصباح التالي على صوت المنبه الرتيب، صفعت الساعة بيدي لإسكاتها. جلست في فراشي وأنا أشعر بنشاط غريب. تمددت بقوة، ثم تجمدت في مكاني. أين الألم؟ تحسست ضلوعي وضغطت عليها بكل قوتي، لم أشعر حتى بوخزة صغيرة. تنفست بعمق، فلم أجد ضيقاً في صدري. تحسست وجنتي التي كانت بالأمس بحجم الثمرة، فوجدتها ممسوحة وأملس ما يكون.

قفزت من السرير بذهول، وركضت نحو المرآة الطويلة في زاوية الغرفة. وقفت أمام انعكاسي وأنا أحبس أنفاسي، ونزعت الضمادة المرتخية عن حاجبي ببطء شديد. سقطت الشاشة والقطن على الأرض، وما رأيته جعل قلبي يسقط في قدمي.

تحت الضمادة، كان الجلد أملس تماماً، لا أثر لجرح، لا ندبة، ولا حتى علامة حمراء رفيعة تدل على أن لحمي كان مفتوحاً بالأمس. نظرت لعيني التي كانت منغلقة تماماً؛ كانت صافية، بيضاء، والجلد حولها نضر كأنه لم يتعرض لضربة قط. الكدمات الزرقاء والبنفسجية التي كانت تملأ رقبتي ووجهي اختفت تماماً، وكأنها كانت مجرد طلاء تم غسله بلمحة بصر.

"هذا مستحيل." همست بصوت مرتجف. اقتربت من المرآة حتى لامس أنفي الزجاج، وبدأت أفرك جلدي وأضغط عليه بجنون. لا ألم. بشرتي كانت تبدو أجدد وأقوى من ذي قبل، وكأنني وُلدت من جديد في تلك الليلة.

في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة فجأة. دخلت أمي وهي تحمل وعاءً من الماء الدافئ وعلبة الإسعافات. "لقد جئت لأغير لك الضمادات، يجب أن نتأكد من أن الجرح لم يلتهب." توقفت الكلمات في حلقها فجأة. سقط الوعاء من يدها ليتناثر الماء على السجادة، وتدحرجت زجاجة المعقم حتى ارتطمت بقدمي.

تسمرت أمي في مكانها، واتسعت عيناها بذهول تحول بسرعة إلى "رعب" خالص. اقتربت مني ببطء وحذر، وكأنها تقترب من كائن فضائي أو شبح يسكن غرفتها. مدت يدها المرتجفة ولمست خدي الأملس بأصابع باردة.

"أين ذهب كل شيء؟" همست بصوت يكاد يكون مسموعاً من هول الصدمة. "راي! بالأمس كانت عينك مغلقة تماماً! أنا رأيت العظم بعيني تحت حاجبيك! أنا غسلت دماءك بيدي هاتين!" رفعت يديها أمام وجهي وهما ترتجفان بعنف. "أين الكدمات؟ أين التورم؟ البشر لا يشفون بهذه الطريقة في بضع ساعات!"

نظرت إليها، وشعرت ببرودة معدنية تسري في معدتي. لم يكن خوفي نابعاً من المعجزة التي حدثت لي، بل من نظرة أمي. كانت تنظر إليَّ وكأنني "شيء آخر"، كأن ابنها قد استُبدل بآلة أو بمسخ. "أنا.. أنا لا أعرف يا أمي! ربما لم يكن الأمر بالسوء الذي ظنناه؟ ربما جسدي سريع في الشفاء؟"

"لا تكذب عليَّ يا راي!" صرخت بقوة، ثم غطت فمها بيدها فوراً، مصدومة من رد فعلها. تراجعت خطوتين للخلف، وعيناها لا تفارقان وجهي المثالي الذي لا تشوبه شائبة. "هذا ليس طبيعياً.. هذا مستحيل"

في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة المرة. جسدي.. هذا الوعاء الذي سكنته لستة عشر عاماً، لم يعد ملكي وحدي. هناك كيان ما، نظام مجهول، يسكن في أعماق خلاياي، يصلحني في الظلام ويحميني لغرض لا أعلمه بعد. لقد أصبحت معافى تماماً، لكنني في عين الشخص الوحيد الذي يحبني، أصبحت "وحشاً" يثير الريبة.

2026/01/09 · 27 مشاهدة · 1478 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026