كان هواء الصباح يلسع رئتي، لكنه لم يكن البرد الذي أخشاه. كنتُ أسير في الزحام المتجه نحو بوابة المدرسة، وقد سحبتُ قبعة معطفي السوداء لتغطي رأسي بالكامل، ولففتُ وشاحاً صوفياً غليظاً حول النصف السفلي من وجهي. لم يكن هذا القناع لحمايتي من لفحات الشتاء، بل كان لحمايتي من العالم. كيف سأشرح لهم؟ كيف سأفسر لـ "جين" أو لأي كائن بشري أن الوجه الذي كان بالأمس عبارة عن حطام من اللحم الأزرق والعظام المصدوعة، أصبح اليوم أملس كمرآة صقيلة؟

كنتُ أشعر بجلدي تحت الوشاح، كان ملمسه غريباً.. "أكثر كمالاً" مما ينبغي. وكأنني لم أُشفَ فقط، بل تمت إعادة صياغتي بمواد أكثر صلابة ونقاء. كنتُ أمشي وأنا أشعر بأنني غريب وسط بني جنسي، وحش يتخفى في ثياب مراهق، يحمل في خلاياه سراً يرفضه المنطق.

لكن الأسئلة لم تكن هي الخطر الذي يتربص بي خلف أسوار المدرسة. الخطر كان قابعاً هناك، في الساحة الرئيسية، يفوح منه مزيج مقزز من رائحة التبغ الرخيص وغرور السلطة المطلقة. "كانغ".

كانغ لم يكن مجرد متنمر عابر، بل كان "سرطاناً" استشرى في جسد هذه المؤسسة. بفضل نفوذ والده في مجلس المدينة، تحولت المدرسة إلى إقطاعية خاصة به، والطلاب إلى مجرد حشرات تحت تصرفه. لم يكن يكتفي بالعنف، بل كان يعشق "فن الإذلال". كان يتلذذ برؤية الروح وهي تنكسر قبل الجسد.

عندما عبرتُ البوابة، تجمدت الدماء في عروقي. كانت هناك دائرة بشرية صامتة تتشكل في المنتصف، صمت جنائزي لم تكسره إلا أنات مكتومة. في مركز الدائرة، كان يقف كانغ بحذائه الجلدي الإيطالي البراق، يضغط بكامل ثقله فوق كف طالب نحيل من السنة الأولى.

كان الطالب ملقى على الأرض، يرتجف كعصفور مبلل، وبجانبه كانت تقبع "لوحة رسم" ممزقة. الألوان الزيتية التي استغرق أسابيع في مزجها كانت تلطخ التراب والحصى، مختلطة بدموع العجز.

"انظر لهذا القرف،" قال كانغ بنبرة هادئة، باردة، ومستفزة. كان يميل برأسه وهو يراقب أصابع الفتى وهي تنثني تحت وطأة حذائه. "لقد تجرأت على تلويث نعلي بألوانك الرخيصة. هل تظن أن خزعبلاتك الفنية هذه تملك ذرة من القيمة مقارنة بما أرتديه؟"

"آسف.. أرجوك.. أنا.. أنا لم أقصد،" انتحب الفتى. كان صوت احتكاك العظام بعضها تحت الضغط يصل لمسامعي بوضوح مرعب.

"لا أسمعك،" زاد كانغ الضغط وهو يبتسم للكاميرات التي يوجهها أتباعه نحو المشهد. "اعتذر لحذائي. قبّل هذا الجلد الفاخر وقل: أنا مجرد حثالة لوثت طريقك أيها السيد"

كان المشهد يغلي الدم في عروقي. شعرتُ بحرارة تبدأ من أسفل ظهري وتتصاعد لتلف عنقي. الطلاب حولي كانوا ينظرون للأرض، يهربون من الحقيقة بهواتفهم، يرتجفون من فكرة أن يكونوا الضحية التالية. أردتُ العبور. أردتُ أن أكون "راي" القديم، الجبان، الذي يختفي في الظلال. "لستُ بطلاً"، قلتُ لنفسي. "لدي وحش أخبئه، ولا أريد لفت الانظار"

لكن الكيان الذي يسكنني كان له رأي آخر.

رفع كانغ رأسه فجأة، وكأنه يملك حاسة سادسة لرصد الكائنات التي لم تعد تنتمي لهذا العالم. لمحني وسط الزحام. اتسعت ابتسامته ببطء، بأسلوب جعلني أشعر بالاشمئزاز. رفع قدمه عن يد الفتى المحطمة، ومشى نحوي بخطوات بطيئة، واثقة، يحيط به أتباعه كذباب حول جيفة.

"أوه! انظروا من عاد من القبر!" صاح بصوت عالٍ ليرفع منسوب العرض. "بطلنا المكسور! ظننتك ستقضي بقية الفصل الدراسي وأنت تتناول الحساء من أنبوب طبي وتتباكى في حضن أمك"

سدَّ طريقي بجسده الضخم. وبحركة وقحة وسريعة، مدَّ يده وسحب الوشاح عن وجهي، وأزاح قبعة المعطف للخلف بقوة.

توقفت كلماته في حنجرته. تجمدت تلك الابتسامة السادية كأنها قناع شمعي ذاب فجأة. حدق في وجهي. كان ينظر لعيني الصافية، لبشرتي التي لا تحمل خدشاً واحداً، لفكّي الذي كان بالأمس مخلوعاً. اقترب مني لدرجة أنني شعرتُ بحرارة أنفاسه المليئة برائحة النيكوتين. مدَّ إصبعه الخشن، وقرص خدي بقوة، ثم بدأ يفركه بعنف، وكأنه يحاول إزالة مساحيق تجميل أو مكياج سينمائي.

"ما.. ما هذا الهراء؟" همس بغضب مكتوم. "أين الكدمات؟ أين الجرح الذي فتحته فوق عينك؟ أنا متأكد أنني سمعتُ صوت تكسر عظامك تحت قبضتي بالأمس!"

أبعدتُ يده عن وجهي بضربة حادة، حركة لم تكن سريعة فقط، بل كانت دقيقة لدرجة مذهلة. "ابتعد عني،" قلتها بصوت لم أعرفه، صوت عميق، بارد، وخالٍ تماماً من الخوف.

"أوووه!" ضحك كانغ ضحكة عصبية ليحافظ على هيبته أمام الجمهور. "انظروا! الصعلوك الصغير ظن أن عمليات التجميل منحته الشجاعة! يبدو أنك تغطي عارك ببعض السحر" عاد ونظر إليَّ بحقد أسود. بالنسبة له، شفائي كان "إهانة" لقوته، كان تحدياً لسلطته التي بناها بالخوف. "أنت تثير غثياني يا راي. هذا الوجه السليم المستفز.. يحتاج لبعض التعديل"

رفع يده اليمنى عالياً، قبضته مشدودة لدرجة أن مفاصله ابيضت. "سأعيد رسم ملامحك،" زمجر والشر يقدح من عينيه. "وهذه المرة، سأستخدم شفرة لأتأكد أن الندبة ستذكرك بي في كل مرة تنظر فيها للمرآة"

في تلك اللحظة، بينما كانت يده تهوي في الهواء نحو وجهي.. انكسر شيء ما في داخلي. لم يكن خوفاً، بل كان "قفلاً" حديدياً كان يحبس وحشاً جائعاً منذ زمن.

فجأة، تغير كل شيء. الصوت حولنا تلاشى، وتحول العالم إلى سائل لزج يتحرك ببطء شديد. حركة يد كانغ، التي كانت تبدو سريعة للبقية، أصبحت بالنسبة لي كحركة حلزون يزحف فوق الزجاج. رأيتُ كل ذرة غبار معلقة في الهواء، سمعتُ طنين الكهرباء في أعمدة الإنارة، ورأيتُ المسام في جلد كانغ وهي تتسع بفعل التوتر.

وفي مؤخرة جمجمتي، انبعث ذاك الصوت الآلي البارد، يهمس كشيطان يحلل بيانات حاسوبية: (الهدف: ذكر بشري. الحالة: عدواني. نقاط الضعف: 12 نقطة مكشوفة.) (توصية النظام: شل الحركة الجسدية مع حدّ أقصى من الألم.)

لم يكن قراري. كانت يدي تتحرك وكأنها تملك عقلاً خاصاً بها. ارتفعت يدي اليسرى بسرعة لا تدركها العين البشرية، مخلفة أثراً بصرياً مشوشاً. أمسكتُ بمعصم كانغ في منتصف الهواء، قبل أن يلمس شعرة واحدة من وجهي.

"هاه؟" خرجت نأمة غبية من فمه. حاول سحب يده، لكن قبضتي كانت أشبه بملزمة فولاذية هيدروليكية. بدأتُ أضغط. ببطء.. وبتلذذ مخيف. شعرتُ بعظام معصمه وهي تبدأ بالانضغاط تحت أصابعي، سمعتُ صوت الأوتار وهي تتمزق تحت ضغط غير بشري.

"آآآآآه!." بدأت الصرخة تتشكل في حنجرته. سقط على ركبتيه، ووجهه الذي كان متغطرساً قبل ثانية، أصبح الآن لوحة من الألم الخام والذهول.

لم أتوقف. رفعتُ يدي اليمنى، وشكلتُ أصابعي على هيئة "مخلب" حاد. نظرتُ إلى عينيه المتسعتين رعباً، ورأيتُ نفسي فيهما.. لم أرَ "راي"، بل رأيتُ ظلاً أسوداً لا يرحم. الصوت في رأسي كان يصرخ بنشوة حيوانية: (في عينيه! اقتلع تلك الحدقات التي كانت تراقب ألمك! اجعل الظلام هو عقابه الأبدي!)

اجتاحني شعور لا يمكن وصفه. لم يكن غضباً، بل كان "صفاءً مطلقاً". شعور القوة التي لا تُرد. شعمتُ بابتسامة باردة تتمدد على شفتي. كنتُ سأفعلها. كنتُ على وشك تمزيق وجهه وتحويله إلى ذكرى دامية في ساحة المدرسة.

"راي! توقف! ستقتله!"

يدان قويتان أمسكتا بكتفي وهزتاني بعنف زلزل كياني. كان "جين". سحبني للخلف بكل قوته، مما أجبرني على إفلات يد كانغ. سقط كانغ على الأرض كجوال من البطاطس، يمسك معصمه المحطم ويلهث بأنفاس مقطوعة، والدموع تنهمر على وجهه من شدة الصدمة.

التفتُّ لـ "جين". كان وجهه شاحباً كالموت، وعيناه مليئتان برعب لم أره من قبل. لم يكن ينظر لـ كانغ، بل كان ينظر إليَّ.. وكأنني غريب لم يقابله أبداً.

"هل جننت؟!" همس جين بصوت يرتجف. "لقد كنت.. كنت ستقتله يا راي! نظرتُ إلى وجهك.. لم تكن أنت. ما الذي حدث لك؟"

نظرتُ ليدي التي كانت لا تزال معلقة في الهواء، متخذة وضعية الافتراس. كانت ترتجف بعنف. حاولتُ إقناع نفسي أن هذا الارتجاف هو من الصدمة، أو من الخوف مما كدتُ أفعله. لكن الحقيقة كانت أقذر من ذلك بكثير.

أغلقتُ قبضتي بقوة لأخفي ارتعاشها. لم أكن أرتجف خوفاً. كنتُ أرتجف من "الإحباط". كنتُ أرتجف لأن جين منعني من سماع ذاك الصوت الرائع.. صوت تحطم عظام كانغ تحت مخالبي. في تلك اللحظة، أدركتُ أن الجروح التي شُفيت في وجهي، قد انتقلت لتستقر في أعماق روحي.. لتبني شيئاً لا يرحم.

2026/01/09 · 25 مشاهدة · 1187 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026