5 - ضجيج الحياة... قبل الصمت

دفعنا باب الفصل الدراسي، ودخلنا إلى الداخل. كان الهواء هنا مختلفاً تماماً؛ رائحة الطباشير الجافة، غبار الخشب القديم المتراكم في زوايا الطاولات، وذلك الملل المريح الذي يغلف روتين الطلاب اليومي. بالنسبة لي، لم يكن هذا مجرد فصل دراسي، كان "المنطقة الآمنة" التي أحاول التشبث بها بكل ما أوتيت من قوة. هنا، لا توجد موازين بشرية، ولا عمالقة بابتسامات مشقوقة، ولا دماء تُسفك من أجل البقاء. هنا، أكبر مشكلة قد تواجهك هي معادلة كيميائية لم تفهمها أو تأخرك عن تسليم واجب التاريخ.

رمى "جين" حقيبته الجلدية بإهمال على الطاولة المجاورة لطاولتي، ثم انهار على كرسيه الخشبي بوزن ثقيل جعل القوائم المعدنية تئن باحتجاج صارخ.

"أووووه.." زفر جين نفساً طويلاً، ومسح رذاذ التوتر عن جبينه بكم قميصه المدرسي المجعد. "قلبي لا يزال يقرع صدري بسرعة مائة ميل في الساعة. ظننت حقاً أن رحلتنا اليوم ستنتهي في زنزانة باردة في إصلاحية الأحداث. كانغ ليس شخصاً يسهل نسيان ما فعلته به"

التفت إليّ، وكانت ملامحه مزيجاً غريباً بين الفضول الطفولي والرعب الكامن في أعماق عينيه: "راي.. بجدية.. متى تعلمت أن تفعل ذلك؟ هل تمارس الملاكمة سراً في قبو منزلك؟ أو ربما المصارعة؟ تلك المسكة.. يا إلهي، لو ضغطت أكثر قليلاً لسمعنا صوت تحطم عظام يده كالخشب اليابس. رأيت الدموع في عيني كانغ! كانغ.. ذاك السفاح الذي أرعب المدرسة لسنوات، كان يبكي كطفل أضاع لعبته! هذا ليس مجرد انتصار، هذا حدث تاريخي سيُحفر في أرشيف هذه المدرسة"

جلست مكاني ببطء، وفتحت كتاب التاريخ بشكل آلي، محاولاً الهروب من نظراته الفاحصة التي كانت تخترق قناعي.

"حظ.. مجرد حظ يا جين،" تمتمتُ، محاولاً جعل نبرة صوتي تبدو باهتة وعادية قدر الإمكان، رغم أنني كنت أشعر ببرودة غريبة لا تزال تسكن أصابعي. "لقد تملكني الخوف، وعندما يخاف الإنسان، يمسك بالأشياء بقوة لا يدركها. هذا كل ما في الأمر"

نظر إليّ جين بشك للحظة، ضيق عينيه وكأنه يحاول العثور على الكذبة المختبئة بين كلماتي، ثم هز كتفيه في استسلام. لحسن حظي، كانت قدرة جين على التركيز في موضوع جاد لا تتجاوز دقيقتين قبل أن ينجرف نحو عالم تفاهته الممتع. فجأة، انتصب في جلسته، وأخرج من جيبه مرآة صغيرة ومشطاً بلاستيكياً.

"حسناً، كانغ نجا بجلده اليوم، لكن هناك من لن ينجو من سحري الخاص،" قالها بنبرة درامية وهو يغمز لي بوقاحة. بدأ يمشط شعره بعنف، ثم أخرج علبة "جل" رخيص الثمن وبدأ يلطخ خصلات شعره حتى أصبح يلمع تحت أضواء الفلورسنت وكأنه خوذة بلاستيكية صلبة غير قابلة للكسر. "اليوم هو اليوم المنشود يا صديقي. اليوم سأعترف بوجودي لـ (سارة). كفانا وقوفاً في الظلال"

نظرت إليه، وإلى كمية الجل الكارثية التي كادت تسيل على أذنيه. "جين.. هل تحاول إبهارها بجمالك أم تحاول عكس أشعة الشمس لتعميتها وتجبرها على عدم رؤية وجهك؟"

"اخرس، أنت لا تفهم في لغة الموضة الحديثة،" رد وهو يعدل ياقته المعوجة أمام المرآة. "الخطة محكمة: سأنتظر جرس الاستراحة. سأخرج، وأمشي بجانب خزانتها بهدوء الملوك. سأنظر إليها نظرة عميقة—مثل أولئك الممثلين في الأفلام الكلاسيكية— وأقول بصوت رجولي هادئ: (صباح الخير سارة، يوم جميل للدراسة، أليس كذلك؟). ثم أمشي دون أن ألتفت خلفي. الغموض هو المفتاح"

"يوم جميل للدراسة؟" رفعت حاجبي بذهول. "هل أنت جاد؟ هذا أسوأ سطر حواري سمعته منذ اختراع اللغة. حتى نشرة الأحوال الجوية أكثر رومانسية من كلماتك هذه"

"سنرى من سيضحك أخيراً يا فيلسوف زمانك!"

عملية "الرجل الغامض"

"تررررن!" رن الجرس معلناً نهاية الحصة الأولى. قفز جين من مكانه. "لقد حانت ساعة الصفر! عملية (الرجل الغامض) تبدأ الآن!"

خرجنا للممر المزدحم. كان المكان يعج بالصحب، رائحة الكتب الجديدة، وأصوات الضحكات العادية التي كنت أحتاجها بشدة لغسل صور الدماء والدمار التي بدأت تهاجم مخيلتي منذ الصباح. كانت "سارة" واقفة هناك، عند صف الخزائن المعدنية، تضحك برقة مع صديقاتها. أخذ جين نفساً عميقاً، ونفخ صدره مثل ديك رومي يستعد للمواجهة، وانطلق بخطى واسعة.

راقبته من بعيد. كان يحاول المشي "بثقة"، لكنه بدا وكأنه يمشي فوق حبل مشدود وسط عاصفة. اقترب منها، وفجأة التفتت سارة ولاحظت وجوده. ابتسمت بلطف عفوي. كانت هذه هي اللحظة الذهبية. فتح جين فمه ليطلق صوته العميق المخطط له، لكن القدر كان يخبئ له فخاً درامياً.

"ص.. صب.. آآآخ!"

الكلمة لم تخرج. بدلاً من ذلك، تعثرت قدمه بحقيبته هو شخصياً التي كانت تتدلى بشكل خاطئ، ولم يكن تعثراً بسيطاً يمكن تداركه. كان تعثراً أسطورياً بكل المقاييس. لوح بذراعيه في الهواء محاولاً التمسك بالعدم، ثم اندفع للأمام كصاروخ بشري فقد السيطرة على محركاته.

"طرااااااااخ!"

ارتطم جين بمجموعة الخزائن المعدنية بجانب سارة بقوة هزت ممر المدرسة بالكامل. كان الصوت يشبه تصادم سيارتين في طريق سريع. تساقطت كتبه من حقيبته المفتوحة، وانزلقت على الأرضية المصقولة لتستقر عند حذاء سارة تماماً.

ساد صمت محرج في الممر. توقف الزمن لعدة ثوانٍ. كان جين ملتصقاً بالخزانة، وجهه محشور ضد المعدن البارد، في وضعية تشبه "نجم بحر" تم قذفه على الشاطئ. نظرت سارة إليه بذهول، ثم نظرت للكتب المبعثرة، ثم.. انفجرت بالضحك. ضحكة صافية، مرحة، وغير جارحة. انحنت وجمعت كتاباً واحداً.

"جين؟ هل أنت بخير؟ دخولك كان.. قوياً ومفاجئاً جداً"

تمنيت في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعني خجلاً نيابة عنه. جين استدار ببطء، وجهه كان أحمر لدرجة أنه كاد يضيء في العتمة. "أنا.. كتاب.. نعم.. دراسة.. وداعاً!" نطق بكلمات عشوائية لا رابط بينها، خطف كتابه من يدها، وهرب ركضاً نحو الفصل وهو يغطي وجهه بيديه.

عدت للفصل لأجده قد دفن رأسه في الطاولة، يئن بصوت مكتوم يشبه نواح الثكالى. "انتهت حياتي الاجتماعية.. سأهاجر إلى القطب الجنوبي.. سأعيش مع البطاريق، هي الوحيدة التي لن تسخر من مشيتي"

ربتُّ على ظهره وأنا أحاول كتم ضحكتي التي كادت تنفجر. "انظر للجانب المشرق يا صديقي.. هي الآن تعرف اسمك بالتأكيد، وهذا تقدم ملحوظ. وربما تظن أنك تحاول تدمير المدرسة برأسك من أجل لفت انتباهها"

فجأة، دخلت "لينا" الفصل، وهي تحمل علبتي عصير بارد. "يا إلهي! هل سمعتم ذاك الدوي في الممر؟" قالت بحماس وهي تجلس على طرف طاولتي. "ظننت أن زلزالاً قد ضرب المبنى! مهلاً.." نظرت لرأس جين المدفون بين كتبه. "هل كان هذا أنت يا جين؟"

رفع جين رأسه البائس، وشعره "المجلجل" قد تشتت وأصبح يبدو كعش غراب مهجور. "هل كان الصوت عالياً لتلك الدرجة؟"

"عالياً؟" ضحكت لينا وهي تعطيه العصير لتهدئة روعه. "أعتقد أن المدير في المكتب الرئيسي في الطابق الأرضي قد سمعه وظن أن هناك انفجاراً في المختبر! لكن لا تقلق، سارة كانت تبتسم وهي تتحدث عنك لصديقاتها. قالت إنك (مضحك بطريقة لطيفة)"

"مضحك." تنهد جين بإحباط، وشرب العصير دفعة واحدة. "المهرج جين.. هذا هو لقبي الرسمي الجديد في سجلات المدرسة"

انتهى الدوام المدرسي أخيراً. "راي!" ناداني جين عند البوابة الرئيسية. "لا ترجع للبيت اليوم، تعال معي"

"لماذا؟ هل لديك خطة جديدة لإحراج نفسك في أحياء المدينة أيضاً؟"

"ها ها، مضحك جداً يا فتى،" لكم كتفي بخفة وهو يحاول استعادة بعض من كبريائه الجريح. "أمي وأبي سافرا لزيارة جدتي في الريف وسيبقيان هناك لعدة أيام. المنزل فارغ تماماً، ولدي أحدث شريط لعبة قتالية نزل للأسواق بالأمس. والأفضل من ذلك، لا أحد سيوبخنا لو صرخنا أو حولنا الصالة إلى ساحة معركة"

لم أستطع الرفض. منزل جين كان دائماً ملاذي الثاني، المكان الذي يمكنني فيه خلع قناع "راي المتزن" والعودة لكوني مجرد مراهق عادي. وصلنا لمنزله. كان المكان هادئاً، لكن فوضى جين المعتادة كانت تملؤه بالحياة. الملابس ملقاة على الأريكة، أكياس الشيبس الفارغة تزين الطاولة. "أنا جائع حتى النخاع،" أعلن جين وهو يرمي نفسه على الأريكة الوثيرة. "سأطبخ لنا عشاءً ملكياً"

نظرت إليه برعب حقيقي. "أنت؟ تطبخ؟ آخر مرة حاولت فيها صنع شطيرة جبن بسيطة، كدت تحرق المطبخ وتستدعي فرق الإطفاء"

"لقد تطورت مهاراتي في الغياب!" قفز متوجهاً للمطبخ بحماس. "سأصنع لك (الراميون) الخاص بخلطة جين السرية التي لا تُقاوم"

لحقت به لأشرف على الكارثة الوشيكة. كان يرمي المكونات في القدر بعشوائية تثير القلق. بيض، خضار غير مقطعة، صلصة حارة جداً، وحتى.. قطعة شوكولاتة؟ "جين! الشوكولاتة لا توضع في الراميون بأي حال من الأحوال!"

"ثق بلمسة الشيف الخبير فقط!"

بعد عشر دقائق، جلسنا أمام وعائين ينبعث منهما دخان بنفسجي غريب ورائحة لا يمكن تصنيفها. "تفضل، وليمة بانتظارك،" قال جين بفخر. تذوقت ملعقة واحدة، وفي تلك اللحظة شعرت بأن الزمن قد توقف. شعرت ببراعم التذوق في لساني وهي تطلب اللجوء السياسي. "جين." قلت وعيني تدمع من شدة الحرارة والطعم الهجين. "هذا ليس عشاءً.. هذا سلاح بيولوجي محرم دولياً"

انفجر جين ضاحكاً وهو يأكل بنهم غريب. "إنه لذيذ بشكل فريد! أنت فقط لا تملك ذوقاً رفيعاً في فنون الطبخ الحديث!"

أكلنا، وضحكنا حتى شعرت بألم حقيقي في بطني من فرط الضحك. لعبنا حتى تعبت أصابعنا من الضغط على أزرار التحكم. تحدثنا عن كل شيء وعن لا شيء. "عندما نتخرج من هذا السجن المدرسي،" قال جين وهو ينظر للسقف بعيون حالمة. "سأبني أكبر ناطحة سحاب في المدينة. وسأخصص لك الطابق الأخير بالكامل كعيادة طبية أو مكتب أبحاث.. أو أياً كان المسار الجنوني الذي ستختاره"

نظرت إليه بامتنان صامت. "اتفقنا،" قلت بجدية زائفة. "وأنا سأعالجك مجاناً عندما تُصاب بالتسمم الغذائي المزمن بسبب طبخك هذا"

غادرت منزل جين في وقت متأخر من الليل. كانت الشوارع هادئة، وأعمدة الإنارة تومض بكسل تحت سماء مرصعة بالنجوم. كنت أشعر بسعادة غامرة لم أشعر بها منذ وقت طويل. بطني ممتلئ (رغم التلبك المعوي الطفيف)، وروحي كانت تشعر بالخفة.

وصلت لمنزلي، وكانت الأنوار لا تزال مضاءة في الصالة. فتحت الباب بهدوء مبالغ فيه. "لقد عدت"

كان أبي يجلس على كرسيه المفضل، يقرأ كتاباً في الفلسفة، ونظارته الطبية مستقرة على طرف أنفه. وأمي كانت تطوي الملابس المغسولة وهي تتابع مسلسلاً درامياً بصوت منخفض. رفع أبي رأسه وابتسم بوقار. "أهلاً بالساهر. كيف حال صديقك جين؟ هل حرق المنزل هذه المرة أم أن المعجزة قد حدثت ونجا البناء؟"

ضحكت وأنا أخلع حذائي عند المدخل. "كان قريباً من الكارثة كالعادة، لكننا نجونا بفضل العناية الإلهية"

قالت أمي دون أن ترفع عينها عن شاشة التلفاز: "هناك طبق فاكهة طازجة في الثلاجة إذا كنت لا تزال تشعر بالجوع. ولا تسهر كثيراً يا راي، غداً لديك مدرسة"

"حاضر يا أمي" قبلت رأسها، وصافحت أبي بحرارة. "تصبحون على خير"

دخلت غرفتي، وأغلقت الباب خلفي. رميت جسدي المنهك على السرير، ونظرت للسقف الأبيض، واستعدت شريط أحداث اليوم في عقلي. وجه جين المحمر من الخجل.. ضحكة لينا العفوية.. طعم الراميون الكارثي.. ودفء منزلي الذي يلفني بالأمان. "أنا محظوظ فعلاً." همست لنفسي بامتنان.

أغمضت عيني، مستعداً للانغماس في نوم عميق وهادئ. كل شيء كان مثالياً. كل شيء كان يوحي بأن الحياة ستستمر بسلام.

ولكن.. في اللحظة التي بدأ فيها وعيي يغيب وينزلق نحو عالم الأحلام، عاد ذلك "الوميض" الغريب. لم يكن حلماً، بل كان شيئاً يُعرض مباشرة على شبكية عيني. رأيت في الظلام الدامس خلف جفوني المغلقة أرقاماً رقمية حمراء تتوهج بوضوح مرعب،

[بدء العد التنازلي للتحول الإجباري...] [10...] [9...] [8...]

فتحت عيني فزعاً، وقلبي يقرع صدري بعنف. جلست في الفراش، والعرق البارد يغطي جسدي. نظرت حولي؛ لا شيء. الغرفة مظلمة وساكنة تماماً كما تركتها. "مجرد خيال.. مجرد إرهاق مما حدث مع كانغ،" قلت لنفسي وأنا أحاول تنظيم أنفاسي.

عدت للاستلقاء، لكن الخوف كان قد غرز مخالبه في عقلي. ماذا يعني هذا العد؟ ولماذا شعرت بأن تلك الأرقام لم تكن داخل مخيلتي، بل كانت مفروضة على بصري من الداخل؟ أغمضت عيني مرة أخرى بحذر، وهذه المرة، كانت الأرقام قد وصلت إلى [3...].

لم يكن هناك مفر. الصمت في الغرفة أصبح له طنين معدني، وشعرت بأن "راي" الذي أعرفه يبتعد، وأن شيئاً آخر يستعد للظهور.

2026/01/09 · 18 مشاهدة · 1749 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026