[الساعة 1:15 ظهراً – فصل الكيمياء]
كان صوت الأستاذ "شين" وهو يشرح المعادلات الكيميائية المعقدة يشبه صوت طنين ذبابة عالقة في زجاجة فارغة. رتيب، مستمر، ويملك قدرة عجيبة على سحب الروح من الجسد وإرسالها لعالم الأحلام. ذرات الغبار كانت تسبح في شعاع الشمس الذي يخترق النافذة، تتحرك ببطء شديد وكأن الزمن نفسه قد قرر أن يأخذ قيلولة.
بجانبي، كان "جين" يمارس هوايته المفضلة وتخصصه الوحيد: تخريب الكتب المدرسية. كان منحنياً على كتابه، لسانه يبرز قليلاً من زاوية فمه في تركيز شديد لا يظهره أبداً في الدراسة. نظرتُ خلسةً لما يرسمه. كان يرسم كاريكاتيراً ساخراً للأستاذ "شين"، بأنف ضخم يشبه منقار الببغاء، وأذنين بحجم الصحون الأقمار الصناعية، مع فقاعة كلام تقول: "النوم ممنوع، الملل إجباري".
لكزته بكوعي في ضلعه بقوة خفيفة، وهمستُ دون أن أحرك شفتي: "إذا رآك، ستنظف حمامات المدرسة بفرشاة أسنان لأسبوع كامل" لم يرفع جين رأسه، بل أضاف شعرة مضحكة لرأس الأستاذ في الرسمة وهمس: "الفن يتطلب التضحية يا صاح، بيكاسو لم يخش النقد، وأنا لن أخشى الحمامات"
كتمتُ ضحكتي بصعوبة حتى اهتزت الطاولة بي. فجأة، انفتح باب الفصل بقوة. دخل المشرف الطلابي، وجهه جامد كالعادة، وسلم الأستاذ "شين" ورقة رسمية مختومة بختم الإدارة الأحمر. توقف الأستاذ عن الشرح، وعلق الطباشير في الهواء. ساد صمت الترقب في الفصل. قرأ الأستاذ الورقة، وارتفع حاجباه الكثيفان بدهشة، ثم خلع نظارته ببطء، ونظر إلينا بابتسامة نادرة جداً. ابتسامة جعلت وجهه يبدو أقل رعباً.
"يبدو أن الحظ حالفكم أيها الكسالى،" قال بصوته الأجش، وهو يلوح بالورقة في الهواء كراية استسلام. "الإدارة قررت مكافأة طلاب السنة الثانية على حسن سلوكهم المزعوم" تنحنح، وأكمل: "غداً صباحاً، ستنطلق حافلات المدرسة في رحلة تخييم ميدانية إلى (غابات الصنوبر الشمالية)، ليوم واحد فقط"
ساد صمت تام لمدة ثانية واحدة. العقول تحاول استيعاب المعجزة. ثم.. "نعععععم!!" انفجر الفصل. قفز "جين" من مقعده وكأن نابضاً انطلق تحته، ورمى قلمه في الهواء. "وداعاً للروابط التساهمية! وداعاً للجدول الدوري! أهلاً بالحرية! أهلاً باللحم المشوي!"
تحول الفصل لفوضى عارمة. الفتيات يصرخن بحماس ويخططن للملابس، الأولاد يضربون على الطاولات. نظرتُ للصف المقابل، التقت عيني بعين "لينا". كانت تبتسم ابتسامة واسعة، عيناها تلمعان ببريق طفولي نقي، ورفعت لي إبهامها بإشارة "موافق" حماسية. شعرتُ بدفء غريب في صدري. ابتسمتُ لها تلقائياً.
بدأ الأستاذ يوزع استمارات الموافقة وهو يهز رأسه بيأس من الفوضى. "هذه يجب أن تُوقع من أولياء الأمور اليوم. وأحذركم.. من لا يحضرها غداً صباحاً، سيبقى هنا في المدرسة ليحل مسائل الكيمياء معي وجهاً لوجه بينما يستمتع أصدقاؤه"
خطفتُ الورقة من يده. كانت الورقة دافئة، ورائحة حبر الطابعة الطازج كانت أجمل عطر شممته اليوم. لأول مرة منذ أيام.. اختفى الصداع. اختفى الصوت البارد في رأسي. توقفت الهلوسات الدموية. شعرتُ بخفة في صدري، وكأن صخرة أزيحت عنه. تمتمتُ وأنا أضم الورقة لصدري. "هذا بالضبط ما أحتاجه. هواء نقي، وأصدقاء، ونسيان"
[الساعة 3:30 عصراً – سباق الزمن]
بمجرد أن رن جرس الانصراف، انطلقنا عبر البوابة كأننا خيول سباق تحررت من الحظيرة. "راي!" صرخ جين وهو يركض بجانبي في الشارع، حقيبته تقفز على ظهره. "الخطة كالتالي: نعود للبيت بسرعة الصوت، نأخذ التوقيع، نغير ملابسنا، ونتقابل في (السوق المركزي) الساعة الخامسة تماماً! لا تأخير!" "السوق؟" سألتُ وأنا ألهث. "لماذا؟" "للتجهيز يا غبي! أحتاج لشراء خيمة احترافية ومعدات صيد!" ضحكتُ وكدتُ أتعثر. "جين، نحن ذاهبون لغابة صنوبر، وليس للمحيط الهادي! ماذا ستصيد؟ السناجب؟" "لا تقتل المتعة! سأصطاد دباً! أو على الأقل أرنباً برياً!"
افترقنا عند ناصية الشارع، وقلبي يدق بحماس بريء لم أشعره منذ زمن طويل.
دخلتُ المنزل لاهثاً، وأغلقت الباب بقدمي. "أمي! أبي!" خرجت أمي من المطبخ وهي تمسح يديها بالمريلة، فزعة من صراخي. "ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟ هل تشاجرت مرة أخرى؟" "لا! رحلة!" لوحتُ بالورقة في وجهها كأنها تذكرة يانصيب رابحة. "المدرسة ستأخذنا للتخييم غداً! غابات الصنوبر! أحتاج توقيعكما حالاً!"
خرج أبي من غرفة المعيشة، جريدته في يده، وضحك بصوت عالٍ عندما رأى وجهي المحمر من الحماس والركض. "تخييم؟ في هذا الجو الخريفي؟ ستتجمدون هناك يا بني" "أرجوك يا أبي! الجميع ذاهبون! جين، لينا، سارة.. الفصل كله!"
تبادل والداي النظرات. تلك النظرة الصامتة التي تدور بين الآباء. تنهدت أمي بابتسامة مستسلمة، وعرفتُ أنني فزت. "حسناً." قالت أمي وهي ترتب شعري المبعثر. "لكن بشرط واحد: أن تأخذ الملابس الثقيلة التي سأجهزها لك. ومعطف المطر. لا أريد أن تعود مريضاً" "موافق! سأرتدي ثلاثة معاطف لو أردتِ!"
أخذ أبي الورقة، وضع نظارته، ووقعها بخط أنيق وسريع. "رحلة سعيدة يا بطل. استمتع بشبابك، هذه الأيام لا تعود" سلمني الورقة. نظرتُ للتوقيع. كان مجرد حبر أزرق، لكنه كان يعني لي تذكرة العبور من عالم الكوابيس إلى عالم الأحلام. "خذ هذا." أخرج أبي محفظته ومد لي بعض المال الإضافي. "اشترِ شيئاً جيداً من السوق، ولا تترك جين يختار نوعية الطعام وإلا ستنتهي بكم الرحلة في المستشفى بتسمم غذائي" ضحكتُ، وعانقتهما بقوة.
كان السوق يغلي بالحياة. أضواء المحلات الملونة، روائح التوابل المختلطة برائحة الفشار والملابس الجديدة، وضجيج الباعة والمتسوقين. التقيتُ بـ "جين" و"لينا" عند النافورة القديمة، وانضمت إلينا "سارة" (صديقة لينا، والفتاة التي يحاول جين إبهارها وفشل فشلاً ذريعاً أمس).
"انظروا من وصل! المستكشف العظيم!" صاح جين وهو يلوح لنا. تسمرتُ مكاني. سارة ولينا انفجرتا في نوبة ضحك هيستيرية. جين كان يرتدي.. شيئاً لا يمكن وصفه إلا بكارثة. قبعة مستكشفين بيج ضخمة جداً على رأسه، وسترة صيد بجيوب كثيرة جداً (أعتقد أنني عددت 20 جيباً)، وفي يده.. شبكة صيد فراشات. "جين!" مسحت سارة دموعها من الضحك. "هل نحن ذاهبون للتخييم أم لغزو أدغال الأمازون؟ وما هذه الشبكة بحق السماء؟" احمر وجه جين، وعدل قبعته المائلة. "إنها.. للاحتياط! قد نحتاجها للإمساك.. بالسمك النهري! أو الحشرات النادرة!" هزت لينا رأسها وهي تمسح عينيها. "أنت ميؤوس منك تماماً"
دخلنا المتجر الكبير. وبمجرد دخولنا، تحولنا إلى أطفال صغار في محل حلوى. جين كان يركض بين الأرفف يرمي فيها أشياء عشوائية تماماً: بخاخ طارد للدببة، نظارات رؤية ليلية بلاستيكية للأطفال، بوصلة، وعشرة أكياس مارشميلو. سارة كانت تسير خلفه، تعيد الأشياء غير الضرورية للرفوف وهي توبخه كأم غاضبة.
انسحبتُ أنا و"لينا" قليلاً إلى قسم الملابس الشتوية الهادئ. كانت الأجواء بيننا مختلفة. هادئة، دافئة، ومليئة بشيء غير منطوق. "هل أنت متحمس؟" سألتني وهي تتلمس قفازات صوفية ناعمة. "جداً" أجبت بصدق، وأنا أنظر لعينيها. "أحتاج للابتعاد عن ضجيج المدينة.. وعن كل شيء هنا" رفعت لينا وشاحاً أزرق داكناً من الرف. لونه كان عميقاً وجميلاً. "جربه،" قالت، وبحركة عفوية، اقتربت مني ولفت الوشاح حول رقبتي. توقف الزمن للحظة. كانت قريبة جداً. استطعتُ شم رائحة الشامبو الخاص بها.. رائحة الفانيليا والزهور. شعرتُ بدفء أصابعها وهي ترتب الوشاح وتعدل العقدة عند رقبتي. رفعت عينيها لتلتقي بعيني. "يناسبك،" قالت بصوت ناعم، وابتسامة خجولة توردت لها خدودها. "يبرز لون عينيك" شعرتُ بالحرارة تصعد لوجهي، ونسيت كيف أتنفس للحظة. "أح.. شكراً. سآخذه. بالتأكيد"
فجأة، انكسرت اللحظة السحرية بصوت مألوف وعالٍ من خلفنا. "أوه! انظروا للعصافير! يا لجمال المنظر!" التفتنا بسرعة كمن ضبط متلبساً بجريمة. كانت أمي.. وأم لينا.. تقفان هناك، تحملان أكياس الخضار، وتنظران إلينا بنظرات ذات مغزى، وابتسامات عريضة وماكرة. "أمي؟!" قلتُ بصدمة. "ماذا تفعلين هنا؟" "جئنا لشراء بعض الفواكه والوجبات الخفيفة للطريق لكم،" قالت أم لينا وهي تغمز لابنتها التي أصبح وجهها الآن أحمر كالفراولة الناضجة. "لكن يبدو أنكم مشغولون باختيار الملابس لبعضكم.. وبناء مستقبلكم.." "لا يا خالة! لا!" لوحت لينا بيديها بتوتر. "هو فقط.. كان يشعر بالبرد! كنت أساعده كصديقة! فقط صديقة!"
ضحكت الأمهات بصوت عالٍ، وعدلت أمي ياقة قميصي بحنان مبالغ فيه أمام الجميع. "انتبه لنفسك يا راي. ولا تنس أن تأكل جيداً. لقد وضعتُ لك فطائر اللحم التي تحبها في الحقيبة، لا تدع جين يأكلها كلها" "أمي.. أرجوك.. ليس هنا." همستُ بإحراج شديد، لكن في داخلي.. كنتُ سعيداً جداً.
في تلك اللحظة، وسط ضحك الأمهات، ومشاغبات جين الذي عاد ومعه قبعة أخرى، وخجل لينا الجميل.. شعرتُ بأنني أملك العالم. هذه هي الحياة التي أريدها. بسيطة، دافئة، مليئة بالحب، وآمنة تماماً. لم يكن هناك وحوش، ولا أصوات، ولا دماء. فقط نحن.
[الساعة 9:30 مساءً – العودة]
عدنا للمنازل محملين بالأكياس والضحك. جين اشترى (مصباحاً يدوياً) بحجم مدفع رشاش، وأصر على تجربته في كل زاوية مظلمة في الشارع ونحن نمشي، مسلطاً الضوء على القطط الهاربة. "تخيلوا،" قال جين وهو يلوح بالمصباح نحو السماء. "غداً في الليل، سنكون حول النار، في عمق الغابة، نحكي قصص الرعب، والنجوم فوقنا.. ستكون ليلة أسطورية لن ننساها ما حيينا" "فقط لا تحرق الغابة يا جين،" ضحكت سارة وهي تلوح مودعة عند باب منزلها. "تصبحون على خير!"
وصلتُ لبيتي. العشاء كان جاهزاً. أكلتُ بشهية مفتوحة. صعدتُ لغرفتي، وبدأتُ أرتب حقيبتي بعناية طقوسية. الوشاح الأزرق الجديد وضعته في الأعلى. الكشاف، الملابس الثقيلة، وكيس المارشميلو الذي أصر جين أن آخذه. أغلقت سحاب الحقيبة بصوت "زززريب" مريح.
جلستُ على طرف السرير، أنظر للحقيبة الجاهزة عند الباب. الغرفة كانت هادئة. ضوء القمر يتسلل من النافذة. وضعت يدي على صدري. دقات قلبي منتظمة. لا توجد أصوات في رأسي. لا توجد صور لسكاكين أو دماء. الوحش الذي كان داخلي.. يبدو أنه نام، أو ربما رحل للأبد أمام هذه السعادة الطاغية.
"غداً." همستُ لنفسي بابتسامة واسعة، وأنا أطفئ النور وأندس تحت الغطاء الدافئ. "غداً تبدأ المغامرة. غداً سأخبر لينا..." لم أكمل الجملة، لأن النوم سحبني لعمقه المريح.
أغمضتُ عيني، وغطستُ في أحلام بريئة، أرى فيها غابات الصنوبر والهواء النقي والضحك حول النار. لم أكن أعلم.. أن هذه كانت آخر ليلة أنام فيها كطفل....