[الساعة 6:15 صباحاً – ملاذ الصباح الأخير]
لم يكن هاتفي يطالب بالانتباه فحسب، بل كان يشن حرباً على هدوء غرفتي. اهتزازه العنيف فوق الطاولة الخشبية العتيقة أحدث رنيناً مكتوماً تردد صداه في أركان الغرفة، وكأنه كائن معدني يصرخ طلباً للنجدة من ثقل الوقت. لم أكن بحاجة لمغادرة دفء سريري أو النظر إلى الشاشة المتوهجة لأعرف هوية المتصل. من غيره يمتلك تلك الطاقة الانفجارية في هذا الوقت الميت من الفجر؟ من غيره يمتلك فضولاً يكفي لإضاءة مدينة كاملة قبل أن تستيقظ الشمس؟
فتحت الخط وأنا أحشر آخر زوج من الجوارب الصوفية السميكة في الزاوية الضيقة والمنسية من حقيبتي الممتلئة. "صباح الخير يا جين.. أرجوك، قل لي إنك لم تفجر منزلك بعد"
"صباح الخير؟! أي صباح هذا الذي تتحدث عنه يا رجل؟!" جاء صوت جين المذعور والمتحمس في آن واحد، وكأنه يراسلني من وسط ساحة معركة مصيرية. "الشمس أوشكت على الشروق! العصافير بدأت تُجري تدريباتها الصوتية! والحافلات اللعينة ستتحرك في السابعة تماماً، لا ثانية قبلها ولا ثانية بعدها! هل تريد حقاً أن نركض خلفها مثل الحمقى في الأفلام الكوميدية الرخيصة؟ أنا أقف أمام بوابتك منذ دقيقتين، وقد بدأت أتحول إلى تمثال جليدي!"
نظرتُ من خلال زجاج النافذة. كان الشارع لا يزال غارقاً في ذاك الضباب الأزرق الساحر الذي يسبق الفجر، ضباب يغلف أعمدة الإنارة ويجعل العالم يبدو كلوحة زيتية لم تجف بعد. "اهدأ يا صاح، أنا أربط حذائي الآن. سأكون عند البوابة خلال ثلاث دقائق. لا تضغط على المنبه أكثر من ذلك، جيراننا ليسوا بمثل حماسك"
نزلت الدرج الخشبي مسرعاً، وكانت رائحة القهوة الطازجة الممزوجة بعبير فطائر القرفة الدافئة تملأ رئة المنزل، تمنحني شعوراً بالأمان كنت أخشى فقدانه. ودعت والديّ عند الباب بلمسات سريعة. أمي، كعادتها التي لا تتغير، كانت تحمل كيساً ورقياً إضافياً يقطر دفئاً.
"راي! نسيت هذا!" مدت لي الكيس الذي يفوح برائحة الزبدة والسكر البني. "فطائر إضافية للطريق. أعطِ بعضاً منها لجين، ذلك الفتى يأكل وكأن بداخله ثقباً أسود" ضحك أبي وهو يلوح لي بجريدته الصباحية من طاولة المطبخ، وعيناه تلمعان بمودة: "لا تفقدوا الطريق في تلك الغابات الشاسعة، ولا تحاولوا مصارعة الدببة، فأنتم لا تملكون سوى حقائب مدرسية!"
خرجت إلى نسيم الصباح البارد الذي لفح وجهي بقسوة محببة، أيقظ حواسي الناعسة وجعل دمي يتحرك بنشاط. كان الهواء نقياً بشكل مذهل، خالياً من عوادم السيارات وضجيج المدينة المعتاد. ركضت نحو البوابة، وحقيبة الظهر الثقيلة تضرب على كتفي بإيقاع مريح، لأجد جين يقف في مكانه كديك رومي يحاول تدفئة ريشه.. أو ربما هو فرط الحماس الذي لا يهدأ.
[الساعة 6:45 صباحاً – فوضى الحافلات الصفراء]
كانت ساحة المدرسة تعج بضجيج جميل وفوضى منظمة. عشرات الحقائب الملونة كانت مكدسة في كل مكان كجبال صغيرة من الأحلام المسافرة، وصوت الضحك العالي والثرثرة الصباحية يطغى على صوت محركات الحافلات الضخمة التي كانت تصطف بانتظام عسكري، تنفث دخان العادم الأبيض الكثيف في الهواء البارد، وكأنها خيول حديدية تستعد للانطلاق.
"انظر إليهم." همس جين وهو يعدل وضعية قبعته الغريبة (قبعة السفاري ذات الحواف العريضة) التي يصر على ارتدائها في كل رحلة وكأنه مستكشف "الجميع هنا. إنها بداية الملحمة التي ستحكيها الأجيال"
بجانبه كانت تقف "لينا" و "سارة". لينا كانت تبدو ككائن من عالم موازٍ من الرقة؛ ترتدي معطفاً صوفياً أبيض طويلاً، وقبعة دافئة تغطي أذنيها، مما جعلها تبدو كقطعة "مارشميلو" ناعمة أو أرنب قطبي تائه في المدينة. كانت تنفخ في يديها الصغيرتين لتدفئتهما، ووجهها متورد بلون وردي طبيعي بسبب البرد. أما سارة، فكانت في "وضع القائد"؛ تحمل لوحاً ورقياً، تعد الطلاب، وتصرخ بتعليمات تنظيمية تضيع وسط ضجيج المحركات.
سحبني جين من ذراعي فجأة خلف عمود الإنارة، وهمس لي بنبرة المتآمرين الكبار، وعيناه تلمعان بمكر طفولي: "اسمع يا راي.. ركز معي جيداً. الحافلة رقم 2.. تلك هي هدفنا الاستراتيجي. سارة ستجلس هناك لأنها المسؤولة عن تنظيم الصف الثاني. خطتي هي كالتالي: سأنتظر حتى تصعد وتختار مقعدها، ثم سأقتحم الحافلة بعدها بـ 3 ثوانٍ بالضبط، وأتظاهر بأنني أبحث عن مكان تائه، ثم أجلس بجانبها بحجة أن 'المقاعد الخلفية محجوزة للحقائب الكبيرة'. أربع ساعات يا راي.. أربع ساعات من الحديث العميق والمناظر الشاعرية!"
نظرتُ إليه بذهول مصطنع وأنا أحاول كتم ضحكتي. "خطة عبقرية يا روميو القرن الحادي عشر.. ولكن، هل وضع عقلك الفذ احتمال أن تضع حقيبتها بجانبها أو أن تجلس لينا بجانبها؟"
"لقد درستُ كل السيناريوهات المحتملة!" رد جين بثقة عمياء تكاد تكون معدية. "أنت فقط.. دبر نفسك مع لينا. لا تكن حجر عثرة في طريق الحب التاريخي" غمزتُ له بتفهم: "علم ويُنفذ يا قبطان. حظاً موفقاً في خطوط المواجهة"
[داخل الحافلة – سخرية القدر]
"الجميع للحافلات!" صرخ المشرف بصوت جهوري. بدأت التدافع اللطيف، وتحولت الساحة لساحة قتال صغيرة للوصول للأبواب المعدنية. صعدت سارة أولاً وهي توزع الابتسامات والتعليمات. لحق بها جين، وهو يعدل ياقته ويمشط شعره بيده بسرعة البرق، وقفز داخل الحافلة كفارس يمتطي جواده نحو النصر. كنتُ أنا ولينا خلفهم بمسافة كافية لنراقب العرض المأساوي الذي كان على وشك الوقوع.
وصل جين إلى منتصف الممر المزدحم. رأى سارة تجلس في المقعد المزدوج جهة اليمين، وكان المقعد بجانب النافذة فارغاً تماماً. اتسعت ابتسامة جين حتى شعرتُ أن وجنتيه ستتمزقان. كان النجاح يلوح له في الأفق. تقدم بخطوات واثقة، وفتح فمه ليطلق جملته التي تدرب عليها أمام المرآة: "أوه، يا للصدفة السعيدة! هل هذا المقعد ش..."
لكن.. القدر يمتلك حساً فكاهياً شديد القسوة. قبل أن يكمل جين جملته، وقبل أن تلامس حقيبته المقعد، اندفع "صاروخ بشري" قصير القامة من خلفه بسرعة خارقة. طالبة ترتدي نظارة سميكة جداً تضاعف حجم عينيها، وتحمل ثلاثة مجلدات ضخمة. إنها "هنا". الطالبة الأكثر ثرثرة، إزعاجاً، وفضولاً في تاريخ المؤسسات التعليمية، والتي تطارد جين دائماً لتستعير منه أقلاماً ترفض إعادتها أبداً.
"أووووه! جين!!" صرخت "هنا" بصوت حاد كاد يفجر زجاج الحافلة، ودفعت نفسها بمهارة فائقة بين جين وبين المقعد، ورمت بجسدها بجانب سارة بسرعة مذهلة. "ممتاز! كنتُ أبحث عنك يا سارة! لدي 50 سؤالاً مصيرياً عن مشروع البيولوجيا وعن دورة حياة الضفادع الاستوائية! لنبدأ المراجعة فوراً!"
تجمد جين في مكانه وسط الممر. كانت يده لا تزال ممدودة في الفراغ، وفمه مفتوحاً بكلمات لم تُنطق، وابتسامته تلاشت ليحل محلها تعبير يشبه شخصاً سقطت قطعة "الآيس كريم" المفضلة لديه في بالوعة القذارة. نظرت سارة إليه، ثم إلى "هنا" التي بدأت تثرثر بالفعل عن البرمائيات، وابتسمت له بأسف حقيقي وحركت شفتيها بكلمة صامتة: "ساعدني".
تلفّت جين حوله ببحث يائس عن أي مخرج.. لكن الطلاب كانوا قد استوطنوا الأماكن كالنمل. المقاعد الأمامية؟ ممتلئة. الوسط؟ ممتلئ. لم يبقَ سوى مقعد واحد فارغ في أقصى مؤخرة الحافلة.. بجانب السيدة "كيم"، مراقبة الفصل الصارمة التي تشتهر بأنها تكره شيئين في الوجود: الضجيج، والطلاب المراهقين الذين يتنفسون بصوت عالٍ.
جرّ جين قدميه بانكسار وهزيمة نكراء نحو الخلف، ومرّ بجانبي وهو يهمس بصوت باكٍ يكاد يمزق القلب: "أكره حياتي.. أكره الضفادع.. وأكره علم الأحياء وكل من يدرسه"
[الرحلة – سيمفونية الخريف]
ضحكتُ بخفة حتى شعرت بدموع المرح في عيني، وصعدتُ خلف لينا. كان هناك مقعد فارغ في الصف الرابع، بجوار النافذة الكبيرة التي تطل على العالم. جلستُ فيه، ووضعت حقيبتي في الرف العلوي. بعد لحظة، وقفت "لينا" في الممر، وهي تمسك بحقيبتها الوردية الصغيرة بتردد.
"هل.. هل هذا المكان محجوز لأحد؟" سألت بخجل، وعيناها تلمعان ببريق لطيف. ابتسمتُ لها بصدق، وأزحتُ معطفي لأفسح لها المجال. "محجوز لكِ فقط، وبقرار ملكي"
جلست بجانبي، وفاحت رائحة عطرها الخفيف، مزيج من الفانيليا والزهور الربيعية، طغى على رائحة الحافلة الجلدية القديمة. تحركت الحافلة أخيراً. اهتز المحرك بعنف، وبدأنا نبتعد ببطء عن بوابة المدرسة.
كان الطريق طويلاً، ولكنه كان ساحراً بكل معنى الكلمة. غادرنا ضجيج المدينة الرمادي، وزحام السيارات الخانق، والمباني التي تخنق الأفق. بدأت المباني تتباعد، لتحل محلها الحقول الخضراء الممتدة التي لا نهاية لها، ثم التلال المكسوة بأشجار البلوط التي بدأت تتلون بألوان الخريف الدافئة؛ البرتقالي، الأحمر، والذهبي.
أخرجتُ سماعات الأذن الخاصة بي. "هل تودين مشاركتي الرحلة؟" عرضتُ على لينا طرف السماعة الآخر. أومأت برأسها بسعادة صامتة. وضعنا السماعات، وبدأت موسيقى هادئة تعزف، متناغمة مع حركة الأشجار السريعة خلف الزجاج. لم نكن بحاجة للكلام؛ كان الصمت بيننا ممتلئاً بكل ما هو جميل. كنا نلتقط صوراً للمناظر الطبيعية، ونضحك كلما التفتنا للخلف ورأينا "جين" جالساً بجمود تام بجانب المراقبة النائمة، وهو ينظر إلينا نظرة استنجاد يائسة عبر الزجاج الفاصل، وكأنه أسير حرب ينتظر الفداء.
وصلنا عند الظهيرة. كانت جبال الصنوبر ترحب بنا بعظمتها المهيبة، قممها تعانق السحاب الأبيض الكثيف، ورائحة الشجر النقي تملأ المكان وتغسل صدورنا من غبار المدينة وتعب الأيام. نزلتُ من الحافلة، وأخذتُ نفساً عميقاً جداً، شعرتُ وكأن الأكسجين يجدد خلايا روحي.
"هذا.." أغمضتُ عيني مستمتعاً بلسعة الهواء النقية التي داعبت وجنتي. "..هو ما كنتُ أحتاجه حقاً"
لا أصوات في رأسي، لا عد تنازلي، لا وحوش تطاردني في الظلام. فقط هواء جبال، صمت مهيب، وسلام كنتُ أظن أنني فقدتُ الطريق إليه. نظرتُ للينا التي كانت تبتسم للجبال، ولجين الذي نزل وهو يترنح وكأنه خرج من زنزانة انفرادية، وشعرتُ بأن هذه الرحلة قد تكون البداية لشيء جديد.. أو ربما الهدوء الذي يسبق العاصفة الكبرى.