[ساحة المخيم – جبال الصنوبر]

بعد ساعةٍ كاملة من الفوضى التي لا تخلو من ضحكاتٍ هستيرية وتخبطٍ طفولي، استقرت ساحة المخيم أخيراً. كان المشهدُ لوحةً سريالية من الخيام الملونة التي تناثرت بين أشجار الصنوبر العتيقة. وبالطبع، لم تكن اللوحةُ لتكتمل دون "تحفة جين الفنية"؛ خيمته التي كانت تميل بزاوية حادة توحي بأنها ستغادرُ كوكب الأرض في أي لحظة، قبل أن تنتهي محاولته الأخيرة بانهيار القماش الثقيل فوق رأسه للمرة الثانية، ليخرج من تحت الأنقاض وهو يسبُّ الحبال والأوتاد والمهندسين الذين صمموها.

الهواء الجبلي النقي، الذي كان يداعبُ وجوهنا ببرودته اللذيذة، بدأ يمتزجُ برائحة الأرض الرطبة وأبر الصنوبر الجافة تحت أقدامنا. ومع سكون الحركة، بدأت المعدةُ تعلنُ عن احتجاجها بصوت قرقرةٍ جماعية لم يعد بالإمكان تجاهلها.

"وقت الغداء!" صاح الأستاذ "شين"، وهو يصفقُ بيديه بقوةٍ عسكرية لفتت انتباه الجميع. كان شين رجلاً يقدسُ النظام بقدر ما يكره التكاسل. "أخرجوا معدات الشواء! فريق (أ) أنتم حراس النار، أريد جمراً يتوهج كالعقيق. فريق (ب) أنتم ملوك اللحم، جهزوا الموائد!"

تحول المخيم في ثوانٍ إلى خلية نحل جائعة. تداخلت أصواتُ فتح الصناديق البلاستيكية، وقرقعة أدوات الشواء المعدنية، وضحكات الطلاب وهم يخرجون حافظات اللحم المتبل والفاكهة الطازجة. وفي خضم هذا النشاط المحموم، حدث شيءٌ جعل الزمن يتوقف لبرهة، وكأن العالم بأسره قد حبس أنفاسه ترقباً للكارثة.

ظهورُ "الشيف"

انزلق سحابُ خيمة جين ببطء درامي، وخرج منها.. لكنه لم يكن جين الذي نعرفه. كان يرتدي مريلة طبخ بيضاء ناصعة (لا أحد يعرف من أين أحضرها) مكتوباً عليها بخطٍ أسود عريض: "احذروا.. الشيف في الجوار!". كان يضع فوق رأسه قبعة طهاةٍ ورقية طويلة تميل لليسار قليلاً، ويحملُ في يده ملقط الشواء الطويل وكأنه سيف ساموراي يستعدُّ لخوض معركةٍ فاصلة.

مشى نحو الشواية المركزية الكبرى بخطواتٍ واثقة، تتسمُ بالغرور والزهو، ثم توقف أمامها وقفة القادة. ضرب الملقطين ببعضهما مرتين "كلاك-كلاك" للتجربة، وهو صوتٌ كان بمثابة إعلان حرب بالنسبة لنا.

"ابتعدوا جميعاً!" أعلن بصوتٍ جهوري تردد صداه بين الجبال، حتى كاد يهزُّ أعشاش الطيور. "تراجعوا أيها الهواة! اليوم، الشيف جين سيتولى مهمة إطعام القبيلة! لدي خلطة سرية من البهارات والتوابل التي استوردتها من مخيلتي الخاصة، ستجعلكم تبكون من فرط اللذة وتترجوني للحصول على لقمةٍ إضافية!"

ساد صمتٌ مطبق. صمتٌ مرعب وثقيل لا يقطعه إلا حفيف الشجر. الطلاب الذين يملكون تاريخاً طويلاً مع "تجارب" جين —وتحديداً أنا، وسارة، ولينا— تبادلنا نظراتٍ تفيض بالرعب الصرف. كانت ذكريات "الكوارث الغذائية" التي تسبب بها تمرُّ أمام أعيننا كشريط سينمائي أسود:

تذكرتُ بوضوح "الراميون البنفسجي" الذي صنعه في رحلة العام الماضي، ذاك الذي ادعى أنه أضاف إليه توت العليق ليعطيه "نكهةً فريدة"، وانتهى الأمر بثلاثة طلاب في غرفة الممرضة وهم يعانون من تلبكٍ معوي غامض وتلون غريب في ألسنتهم.

تذكرت سارة "الساندويتش المحترق" الذي صنعه في نادي الطبخ، والذي لم يحترق فحسب، بل تحول إلى كتلة كربونية كادت تشعل جرس الإنذار وتتسبب في إخلاء المدرسة بالكامل.

تذكرت لينا كيف حاول ذات مرة صنع "عصير صحي" في منزلها، وانتهى الأمر بانفجار الخلاط وتلطيخ سقف المطبخ والجدران بمزيج لزج من السبانخ والموز والزبادي، في مشهدٍ يشبه جريمة قتل خضراء.

"لا!" صرخت سارة فجأة، ملقيةً بكل بروتوكولات الهدوء والأدب جانباً. "أمسكوه! لا تدعوه يلمس النار بأي حال من الأحوال!"

"إنه خطرٌ على الأمن القومي للمخيم!" صرختُ أنا بدوري، وركضتُ نحوه وكأني أحاول منع تفجيرٍ وشيك.

تحركنا كفريق قوات خاصة مدرب. ركضت مجموعة من الطلاب وحالوا بين جين وبين الشواية، مشكلين جداراً بشرياً منيعاً. "ماذا بكم؟!" سأل جين مصدوماً، وهو يتراجع للخلف رافعاً الملقط باستسلام مضحك. "أنا أحاول مساعدتكم! لماذا تعاملونني كأني إرهابي يحملُ حزاماً ناسفاً؟"

تقدمت سارة، ووضعت يدها على كتفه ببطء ولطف مبالغ فيه، وكأنها تتحدث مع طفلٍ صغير يمسك بقنبلة يدوية ويظنها تفاحة. "جين.. عزيزي.. نحن نحبك. حقاً نحبك. ونريدك أن تعيش معنا غداً. ونريد نحن أيضاً أن نعيش لنرى شروق الشمس غداً"

"ماذا تقصدين بكل هذا الغموض؟" سأل جين ببراءةٍ مستفزة، وعيناه ترمشان.

"نقصدُ أن طبخك يُصنف كسلاح بيولوجي محظور دولياً بموجب اتفاقية جنيف،" قلتُ أنا بضحكةٍ لم أستطع كتمانها وأنا آخذُ الملقط من يده برفق، كما يُؤخذ السلاح من جندي مهزوم. "نحن نحبُّ أمعاءنا يا صاح، ولا نريدُ قضاء الرحلة في طوابير أمام دورة المياه"

"هذا تنمّر علني!" اعترض جين بصوتٍ عالٍ، وخلع قبعة الطهي الورقية بغضب درامي وألقاها على الأرض. "لقد تدربتُ! كنتُ سأصنع لكم ستيك بصوص الفطر البري!"

المهمة "الخطيرة"

تدخل الأستاذ "شين" الذي جذبته الجلبة، واقترب وهو يضيق عينيه بشك مريب نحو جين. "أنت.. جين، صحيح؟" سأل الأستاذ وهو يفرك ذقنه بتفكير. "الذي فجر أنبوب الاختبار في حصة الكيمياء الأسبوع الماضي لأنك خلطت المادة الحمراء مع الزرقاء لمجرد أن (اللون الأرجواني سيكون أجمل)؟"

أومأ جين برأسه ببطء، بابتسامة باهتة. "كانت تجربة فنية تهدفُ لكسر رتابة العلوم يا أستاذ"

أخذ الأستاذ مريلة الطبخ من جين بنعومة ولكن بحزم لا يقبلُ النقاش. "اسمع يا بني.. لدينا مهمة خطيرة جداً وحساسة، مهمة تتطلب دقة متناهية وتركيزاً لا يملكه أي شخص آخر غيرك"

لمعت عينا جين بالأمل المفاجئ. "حقاً؟ تتبيل اللحم؟ تقليب البرجر على نار هادئة؟"

"لا،" ابتسم الأستاذ ابتسامة ماكرة، وأشار بيده إلى كومةٍ ضخمة وعملاقة من الخضروات الورقية المركونة في الزاوية، بجانب صنبور الماء البارد. "غسيل الخس. وتقطيع الطماطم إلى شرائح دائرية متساوية تماماً. ابتعد عن النار، وعن الفحم، وعن أي مادة قابلة للاشتعال أو الانفجار بمسافة لا تقل عن عشرة أمتار. هذه تعليمات السلامة العامة"

انفجر المخيم بالضحك الجماعي. بعد خمس دقائق، كان جين يجلس القرفصاء في الزاوية البعيدة، يغسلُ أوراق الخس بتذمرٍ طفولي مضحك، والماء يتناثرُ على وجهه ونظارته، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة: "عباقرة لا يقدرون المواهب الفذة.. سيأتي يومٌ تعانون فيه من الجوع وتترجوني لأطبخ لكم بيضة واحدة.. وسأقول لكم حينها ببرود: اذهبوا وكلوا الخس الذي غسلته بدموع قهري!"

عدتُ إلى الشواية، وجلستُ بجانب "لينا" و"سارة" نساعد في ترتيب أسياخ اللحم. كان صوت "تشششش" الصادر من اللحم وهو يلامس الشبك المعدني الساخن بمثابة سيمفونية عذبة لآذاننا الجائعة. رائحة الدخان المحمل بعبق التوابل والشواء ملأت المكان، وامتزجت برائحة الصنوبر المنعشة، لتخلق جواً من السعادة البدائية.

كانت لينا تضحكُ برقة وهي تراقب جين من بعيد وهو يجادل حبة طماطم بدت مستعصية على التقطيع. "مسكين جين." قالت وهي تقلب سيخاً من الخضروات الملونة. "كان متحمساً جداً ليثبت لنا مهاراته"

"الأفضل له ولنا أن يبقى هناك،" قلتُ وأنا أدهن اللحم بفرشاة الصوص. "على الأقل سنعود لمنازلنا بقلوب سعيدة وذكريات جميلة، وليس بسيارات إسعاف وغسيل معدة جماعي"

أكلنا بشهية مفتوحة لم أعرفها من قبل. كان الطعام بسيطاً للغاية؛ لحم مشوي، أرز مطهو على النار، وكثير من الخس (الذي غسله جين بعناية فائقة وبكثير من التذمر)، لكنها كانت ألذ وجبة تذوقتها منذ زمن طويل. الضحك العالي الذي كان يملأ الأجواء، الأصدقاء المتحلقون في دائرة دافئة، الشمس الذهبية التي بدأت تميل نحو الغروب وتتسلل أشعتها بخجل بين أغصان الشجر الكثيفة، ورائحة الشواء الباقية في الهواء.. كانت كلُّ هذه التفاصيل تشكلُ لحظات من "الكمال" البشري البسيط.

كانت تلك اللحظات تجعلك تنسى، ولو لفترة قصيرة، أن هناك عالماً قاسياً ينتظرنا في الأسفل، أو أن هناك نظاماً غامضاً في عقلك يعدُّ الثواني، أو أن هناك دماءً تنتظرُ أن تُسفك في معارك لا خيار لنا فيها.

نظرتُ إلى جين، الذي نسي غضبه تماماً وكان يحشو فمه بقطعة لحم كبيرة (من التي لم يطبخها بنفسه طبعاً) وهو يقهقه مع سارة وفمه ممتلئ بالطعام. ونظرتُ إلى لينا التي كانت تمسحُ بقعة صغيرة من صلصة الشواء عن ذقنها بمنديل ورقي، ثم التفتت إليّ بابتسامة دافئة، ابتسامة جعلت قلبي يرتجفُ بطريقةٍ لم ينجح "النظام" في تحليلها بعد.

ابتسمتُ لها، وشعرتُ بغصةٍ خفيفة في حلقي من فرط السعادة والامتنان لهذه اللحظة. "لو توقف الزمنُ هنا." فكرتُ في سري وأنا آخذُ نفساً عميقاً، طويلاً، من هذا الهواء الجبلي النقي، "..لن أمانع أبداً في البقاء داخل هذه اللقطة للأبد"

لم أكن أعلم حينها أن الزمن كان يستعدُّ فعلاً ليتوقف.. لكنه لم يكن التوقف الذي تمنيته في أحلامي الوردية. كان توقفاً من نوع آخر، توقفاً يسبق الهاوية، حيثُ تنتهي الرحلة المدرسية، وتبدأ رحلة البقاء الحقيقية.

2026/01/09 · 16 مشاهدة · 1228 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026