الفصل 11: إريك؟! هل مت حقا؟
لكل إنسان في قلبه ركن حصين، يخبئ فيه أسباب بقائه.. أولئك الذين لا يجرؤ حتى على تخيل الحياة بدونهم.
وعندما يهدد هذا الركن، يبدأ القلب بالتصدع... ذلك التصدع الذي لا يشبه أي وجع آخر، إنه شعور خانق يمزج بين الإنكار والذهول.
في تلك اللحظة، يبني العقل حصونا من الأوهام والسيناريوهات البديلة، محاولا الهروب من الحقيقة المرة، متمنيا لو كان كل ما يراه مجرد كابوس عابر.
هذا الألم ليس معنويا فحسب، بل هو وخز مادي يسري في الجسد، صرخة صامتة تنطلق من الصدر لتستقر في العقل، فلا يجد الأخير سبيلا لتفسيرها سوى عبر نوبات من الرعب، أو الغضب، أو الحزن العميق الذي يهد الجبال.
كانت هذه العاصفة تجتاح كيان جين في تلك اللحظة.
انتفضت واجفة من على كرسيها، والتعرق البارد يغطي جبينها، بينما أحست بثقل جاثم فوق صدرها يكاد يفتك بضلوعها.
جين، التي كانت ترى في شقيقتها امتدادا لروحها، لم تتخيل يوما أنها قد تفقدها، فكيف إذا كان هذا الفقد على يد الرجل الذي ظنت أنها أحبته؟
"أنت تمزح.. أليس كذلك يا أندرو؟" نطق لسانها بالكلمات بينما كان عقلها يرفض تصديقها.
اقتربت منه بخطوات متعثرة وقلبها يقرع طبول الذعر في أذنيها، وتابعت بصوت مكسور يغالب البكاء: "أخبرني أنها ليست هي.. لا يمكن أن تكون شقيقتي! أندرو.. قل لي أن هذا مجرد اختبار سخيف!"
كانت تنظر إليه بعينين يملؤهما التوسل، تأمل أن تلمح في برود وجهه شارة تكذب ما حدث.
ساد صمت ثقيل، صمت من النوع الذي يسبق العواصف الكبرى.
لم يجرؤ أحد على النطق بحرف.
لا مايكل ولا حتى إريك.
كانت نظراتهم جميعا معلقة بأندرو، الذي تحولت ملامحه فجأة إلى قناع صلب من الجليد، عيناه غارقتان في فراغ سحيق وكأنه غادر المكان بروحه وبقي جسده فقط.
أمال أندرو رأسه إلى الخلف ببطء، وحدق في سقف المستودع، ثم بدأ يتحدث بنبرة خافتة ورتيبة، نبرة تفتقر تماما لأي عاطفة بشرية.
"كان هناك شاب في أواخر العشرينيات.. شاب بسيط لا يملك من الدنيا سوى كدحه.كان يركض خلف لقمة عيشه يوميا، يعمل بجد فقط ليضمن بقاءه.. لكن الأقدار لم تكن تنوي تركه يعيش بسلام. أتعرفون ماذا حدث له؟"
التفت أندرو نحو إريك، وكانت ملامحه في تلك اللحظة خالية من أي ذرة حياة، نظرة جافة لدرجة أنها تثير القشعريرة.
ابتلع إريك ريقه بصعوبة، وشعر للمرة الأولى بخوف فطري ينهش صدره.. أحس أن إطالة النظر في عيني أندرو قد تبتلعه في ثقب أسود لا نهاية له، فأطرق رأسه ناظرا إلى الأرض وتمتم بصوت مهزوز: "أجل يا سيدي.. أنا استمع."
أما جين، فقد كانت على وشك الانهيار، لكن أندرو قاطع توسلها بنبرة حادة ومفاجئة.. "اجلسي يا جين.. وإياك أن تنطقي بحرف آخر وإلا هشمت رأسك. كنت أمزح معك فحسب... هذه ليست شقيقتك، إنه شخص آخر لا قيمة له."
سقطت الكلمات على مسامع جين كطوق نجاة وسط بحر من الدماء.
شعرت بفرحة هستيرية ممزوجة برعب خالص... فرحت لأن شقيقتها لا تزال بخير، لكنها أدركت في تلك اللحظة أنها أمام مريض نفسي لا يمكن التنبؤ بأفعاله.
كان أندرو يتنقل بين الأدوار ببراعة مخيفة... من الحبيب اللطيف إلى القاتل المتحمس، وصولا إلى هذا الكائن اللامبالي.
عاد أندرو لنظراته الشاردة وتابع حكايته: "خرج ذلك الشاب من منزله متوجها إلى عمله.. ذلك العمل الذي كان كل ما يملك.. وفجأة..."
"بووووم!"
دوى صوت الرصاصة ليحطم سكون المكان، صرخة السلاح كانت مفاجئة لدرجة أن الجميع انتفضوا في أماكنهم.
"تلقى رصاصة في صدره.." تابع أندرو وهو يراقب الدخان المتصاعد من فوهة المسدس، "بدأ الدم يتدفق من فمه، صبغ ثيابه باللون القاني، وبعدها..."
"بوووم! بوووم!"
أطلق رصاصتين إضافيتين ببرود لا يوصف، ثم أنزل المسدس.
كان المشهد غريبا، سرياليا، وكأن أندرو يعيد تمثيل موته هو أمامهم.
"ذلك الشاب لم يمت.. رغم أن الرصاص اخترق جسده ومزق أحشاءه، إلا أنه بقي حيا. لنسمها معجزة.. أو ربما لعنة، سمها ما شئت، لكنها كانت بداية الجحيم." تمتم بضيق وهو يتنفس ببطء، وكأنه يشعر بحرارة الرصاص تسري في صدره الآن.
همس مرة أخرى بصوت يكاد لا يسمع، لكنه اخترق قلوب الحاضرين: "لقد كانت لعنة قبيحة.. تمنى ذلك الشاب الموت، صرخ طالبا الرحمة والغياب، أراد أن يتلاشى من هذا العالم اللعين.. لكن تلك اللعنة كانت تأبى تركه يرحل."
"وبعد ذلك.. هل تدركون حجم الفجيعة؟"
تابع أندرو حديثه وصوته يزداد انخفاضا وحدة، "ذلك الشاب الذي لم يؤذ أحدا في حياته، لم يذق الموت مرة واحدة، بل ذاق مرارته تسعة وتسعين مرة. وعندما نجا بمعجزة، لم يعد صدره الذي مزقه الرصاص ملكا له كان يشعر وكأن شيئا غريبا قد زرع بداخله، كأن قلبه استبدل بآلة باردة."
نهض أندرو من كرسيه وبدأ يتحرك في أرجاء المكان بخطوات غير متزنة، وأكمل بمرارة: "كان يتحرك رغما عن أنفه، كأنه دمية خشبية تحركها خيوط خفية. كلما حاول التمرد على جسده، كلما أراد أن يخطو خطوة واحدة بمحض إرادته، كان ذلك الشيء في صدره يمنعه بقسوة، ويجبره على طاعة أوامر لا يفهمها."
لم يستوعب أحد من الحاضرين هذا الهذيان، لكن أندرو لم يتوقف، بل انطلقت منه ضحكة هستيرية مفاجئة دوت في أرجاء المستودع: "هاهاهاها! انسوا كل هذا الهراء القبيح.. إريك! أتدري؟ لقد خطرت لي فكرة رائعة.. أرغب حقا في الزواج. هل يمكنك أن تبحث لي عن زوجة؟ أريد أن أعيش حياة طبيعية، أن أخرج في موعد غرامي، أن أنجب أطفالا.. ليتها تكون ممثلة مشهورة، نخرج معا، ثم نتزوج ونرزق بطفلين جميلين."
كان المشهد مرعبا... فالتناقض بين حديثه عن القتل والموت وبين رغبته المفاجئة في تكوين أسرة جعل الجميع يشعرون أن عقل أندرو قد تشظى تماما.
كان يتحدث، يصمت، ثم يبتسم بجنون، وكأن هناك صراعا خفيا يدور في رأسه.
وفجأة، توقف عن الكلام ونظر بحدة نحو إريك: "انس حتى هذا.. إريك! لماذا لا تجيب؟ ما بك صامت كالقبر؟"
اقترب أندرو ببطء، واتسعت عيناه بتعجب مصطنع وهو يرى جسد إريك يترنح والدماء تسيل منه بغزارة.
صرخ بنبرة تجمع بين السخرية والذهول: "إريك؟! هل مت حقا؟ كيف حدث هذا؟ لماذا تخرج كل هذه الدماء منك؟ اللعنة.. يبدو أنني فقدت القائد إريك هاهاهاها!"
استمر في الضحك وهو يشير بيده إلى بقعة الدم التي بدأت تتوسع على الأرض تحت قدمي إريك، ضحكة خالية من أي ندم...
...
ملاحظة: سأبدأ النشر بشكل كبير في موقع مركز الروايات... أي شخص يحب الرواية ويريد أن يرى الفصول الجديدة بسرعة توجه إلى هناك ولا تنسى!! اترك تعليق عند مجيئك، يبدو لي انني سأتوقف عن كتابة هذه التحفة التي تعتبر تحفة بالنسبة لي فقط...