الفصل 12: إلى اللقاء.. يا سيد أندرو

"أتعتقدون حقا أن بمقدور أحدكم خداعي؟"

ساد الصمت، بينما كان أندرو يرمق الفوضى التي صنعها بنظرة باردة.

لم يستوعب كيف اعتقدوا أن شابا خاض غمار تسع وتسعين حياة قد تفوته تلك الصدف المفتعلة التي حيكت لإنقاذ البطلة.

تمتم بضيق وهو يراقب الدخان المتصاعد من سلاحه: "لقد خاب أملي فيك أيتها الحبكة".

وجه فوهة المسدس مباشرة نحو مايكل، الناجي الوحيد الذي كان يقف بذهول وسط جثث رفاقه.

إريك والبقية غارقون في دمائهم، ومايكل لا يزال عاجزا عن فهم كيف حدث كل هذا..

فبالرغم من كونهم جنودا من كتيبة الدم الأحمر الذين يتفوقون على القوات الخاصة، إلا أنهم سقطوا دون أدنى مقاومة.

لقد استسلموا لتمثيلية الجنون التي أداها أندرو، وانشغلوا بقصته، بينما كان هو يصفيهم واحدا تلو الآخر بدقة صامتة ومرعبة.

هذه البراعة لم تكن مصادفة، فما لم يدركه مايكل هو أن أندرو ليس مجرد ثري عابث، بل هو نتاج مئات السنين من التجارب... لقد كان في حيواته السابقة رجل عصابات، وجنديا نخبة، وعميلا في القوات الخاصة.

أدرك أندرو منذ البداية أن الأمور لن تمر بسلام... فالحبكة لن تقف متفرجة وهي ترى خططه تكتمل.

كان يعلم يقينا أنها ستتدخل في اللحظة الحاسمة لتضع العراقيل في طريقه، فتدمير نظام خادم الحبكة لا يعني أبدا نهاية الحبكة ذاتها.

الحبكة كيان لا يموت، هي ذلك الشيء غير المرئي والمحيط بكل شيء، قوة غاشمة يمكن تسميتها بـ القدر.

لكنه قدر يحمل وجها مرعبا للشرير... فبالنسبة له، القدر يعني مسارا واحدا معلوما ينتهي دائما بالموت.

أما بالنسبة للبطل، فالحبكة هي الملاذ الآمن والقدر الجميل الذي يضمن له النجاة والتطور، مهما بلغت قوة الخصم أو شدة المأزق.

تراجع مايكل خطوة للخلف، مرتعبا من تلك العينين الخاليتين من أي أثر للحياة، وخرجت تساؤلاته في صمت مذهول: "كيف عرفت؟".

وكأن أندرو قرأ ما يدور في خلده، رد ببرود وهو يثبت بصره عليه: "لم أكن متأكدا تماما، كانت نسبة شكي 95%.. لكن بمجرد أن رأيت الأشخاص الذين جلبتموهم، أدركت أن الحبكة بدأت تلعب ورقتها الأخيرة لإنقاذ جين، وتأكدت حينها من خيانتكم."

"هؤلاء ليسوا هم.. أين العائلة حقا؟"خرجت الكلمات من بين شفتي أندرو كنصل حاد، بينما كان بروده يزداد لدرجة مخيفة.

"ألم تصبح شركة نوفا سيكيوريتي تحت إمرتي؟ ألم أشتر كامل أسهمها بمالي؟ كيف تجرؤون؟".

أكثر ما يمقته أندرو في هذا الوجود هو الخيانة... ذلك الشعور اللاذع الذي ذاقه في تسع وتسعين حياة مضت، طعنة تلو الأخرى من أقرب الناس إليه، حتى وصل لمرحلة لا يثق فيها بظله.

والآن، يتكرر المشهد مع رجال نوفا الذين لم يمض على معرفته بهم ساعات.

هل كانت هدايا النظام مجرد فخ؟

لماذا يرتد السهم إلى صدره دائما؟

"سيدي.. نحن.. كنا فقط نختبرك، انتظر لحظة وسأشرح كل شيء!" صرخ مايكل بذعر.

كان يشعر ببرودة الموت تلامس قفاه... فرفاقه سقطوا كأوراق الشجر، وهو يدرك أن رصاصة واحدة من أندرو كفيلة بإنهاء قصته.

لم يكن يريد الموت، كان يريد النجاة بأي ثمن.

لم يحرك أندرو ساكنا، ظل سلاحه موجها نحو جبهة مايكل.

تابع مايكل أنفاسه المتهدجة: "ذهبنا للمكان الذي أمرتنا به، وجلبنا الأشخاص فعلا.. لكن في الطريق، كان هذا الشاب يلحق بنا".

أشار بيده نحو لويس، الذي كان يراقب المشهد بابتسامة غامضة خالية من الخوف، وكأنه يرى عرضا مسرحيا ممتعا.

تجاهل أندرو لويس تماما، وظل تركيزه منصبا على مايكل.

"كان يتبعنا بسيارة أجرة، ولم نكن حمقى لنتركه يفلت. أمسكنا به وبالسائق.. والسائق هو ذلك الجسد الذي أفرغت فيه رصاصك قبل قليل،" أكمل مايكل شرحه بسرعة.

قاطعه أندرو بنبرة جافة: "وأين الأشخاص الذين أمرت بجلبهم؟".

ساد صمت ثقيل قبل أن يكمل أندرو: "أعلم أن من قتلته ليس شقيقتها، ويبدو أنني بدأت أدرك حقيقة ذلك الشاب..."

لكن الشخصين الآخرين ليسا بشرا، بل مجرد دمى محشوة. أكنتم تظنون حقا أنني لن أميز بين الجثث والدمى؟"سأل بحيرة حقيقية.

لقد لاحظ أندرو كل شيء منذ اللحظة الأولى... دميتان، ولويس، وسائق الأجرة.. هؤلاء هم الجالسون على الكراسي.

"هل خانوني حقا؟ أم أن الحبكة أرادت بالفعل منعي؟" تساءل في سره.

بدأ يصدق، لكن الشك لم يغادر رأسه تماما.

في قانون أندرو، لا فرق بين الخيانة والفشل... فكلاهما يستحق الموت.

كان يدرك أن الحبكة تعشق هذه السيناريوهات.. تبدأ بصدفة واحدة، ثم تتبعها أحداث متسارعة تنتهي دائما بنجاة البطل وموت الشرير.

شعر أندرو أن الخناق يضيق حوله، وأن الحبكة بدأت تلعب معه بقوة لإنهاء حياته مرة اخرى.

"الأشخاص الذين أمرت بجلبهم يا سيدي.." اختنقت الكلمات في حلق مايكل، وبدأ العرق يتصبب على وجهه بغزارة.

"إياك أن تقول إنكم أعدتموهم إلى المنزل بسلام.."نطق أندرو بالكلمات بينما أحس بذاك الثقل المألوف يطبق على أنفاسه من جديد.. إنه إحساس الموت، لقد بات يميز رائحته..

قاطعه مايكل: "سيدي.. ذلك الشاب قال كلمات غريبة لنا وللقائد إريك.. لم أكن حاضرا في كل التفاصيل، ولكن..."

وفجأة، مزق هدوء المستودع صوت رصاصتين متتاليتين. "بوووم! بوووم!"

لم يكن أندرو هو القناص هذه المرة.

سقط جسده على الأرض بعنف، وانزلق المسدس من قبضته المرتجفة وسط ذهوله.

اعتلت وجهه صدمة مريرة... فالرصاصات التي اخترقت جسده لم تأت من مايكل الذي كان يواجهه، بل جاءت من الخلف..

لقد غدر به من الزاوية التي لم يتوقعها أبدا.

وقف مايكل فوقه، يوجه سلاحه نحو رأسه بابتسامة منتصرة ومنتشية: "بصراحة، ذلك الشاب قال أشياء غالية الثمن.. وبما أن القائد إريك قد فارق الحياة، فقد أصبحت تلك المعلومات ملكي أنا وحدي. وداعا.. أيها السيد الشاب."

وبينما كان أندرو يصارع أنفاسه المتقطعة على الأرض، اخترق مسمعه صوت بارد وهادئ من خلفه، صوت لم يألفه ولكنه كان يحمل نبرة النهاية التي كان لم يتوقعها.. التي لم يتوقعها في هذه الحياة

"إلى اللقاء.. سيد أندرو."

بوووم!! بوووم!!

2026/03/02 · 19 مشاهدة · 858 كلمة
Moncefsg
نادي الروايات - 2026