الفصل 1: تسعة وتسعين حياة

"الخلود..." تمتم بتلك الكلمة وابتسامة حزينة ترتسم بصعوبة بالغة، كأن وجهه نسي كيف يطاوعه على التعبير.

كانت نبرته مثقلة بعبء تسعة وتسعين عمرا، وتسعة وتسعين موتا وتسعة وتسعين انكسارا.

بدأ الأمر بطلقة نارية باردة في حياته الأولى، ليصحو بعدها في جسد سيد شاب من عائلة عريقة.

في البداية، غمره شعور بالزهو.

ظن أن الأقدار اختارته ليكون سيد اللعبة، الرجل الذي سينحني له العالم والمال.

لكن الأيام كانت تمر ببطء قاتل، لا نظام يرشده، ولا قدرات خارقة تمنحه الأفضلية.

كان وحيدا تماما في مواجهة عالم بدأ يدرك تدريجيا أنه ليس سيده، بل مجرد وقود فيه.

أدرك الحقيقة المرة التي يهرب منها الجميع: هو ليس البطل،

بل هو ذاك الشرير الهامشي، الشرير من الدرجة الثالثة الذي يسحق تحت أقدام الأبطال ليظهر نبلهم.

في روايات حياته السابقة، كان يقرأ عن هذه الشخصيات ويشفق عليها، والآن هو يعيش تفاصيل إهانتها.

تذكر خطيبته..

تلك المرأة التي فرضت عليه منذ المهد.

لم تكن مجرد إهانة عابرة، بل كان إذلالا منظما أمام الملأ، مئات المرات،

ولسبب تافه: شخص غريب دخل المدينة فجأة، البطل.

أراد أن يتركها، أراد أن يرمي كرامته المتبقية ويرحل،

لكن قلبه كان ينقبض بألم فيزيائي مرعب كلما حاول الابتعاد، كأن هناك أغلالا غير مرئية تربط حياته بذلها.

ظل يتبعها كظلها، يحاول استجداء حبها،

بينما كان يرى حلمه في القوة والثراء يتبخر ويتحول إلى رماد تحت أقدامها.

لكن الطعنة الكبرى لم تأت من الغرباء، بل من دمه ولحمه.

عائلته..

والده الذي كان يفترض أن يكون سنده، أمه، إخوته..

جميعهم خلعوا رداء القرابة وارتدوا ثوب الولاء لـ البطل.

رأى في عيونهم نظرة الاحتقار ذاتها التي رآها في عيون أعدائه.

مات في تلك المرة بيد البطل، وبمباركة من عائلته، محاطا بخيانة البطلات اللواتي لم يكن سوى أدوات لإذلاله.

ظن أن الموت هو النهاية، لكن الروح اللعينة انتقلت مرة أخرى.

صار رجل عصابات، ليقتل بدم بارد على يد بطلة أخرى بعد جولة من الإهانة.

ثم انتقل ليصبح شقيق بطلة، فقتلته أخته تقربا للبطل.

ثم وجد نفسه في جسد رجل أربعيني يحاول التحرش ببطلة في فندق، ليكون موته مجرد مشهد عابر في قصة عدالة البطل.

وفي إحدى المرات، ذاق نوعا جديدا من العذاب..

صار زوجا للبطلة.

في تلك الحياة، شعر لأول مرة ببارقة أمل.

ظن أنها تحبه، بادلها المشاعر بكل صدق، فتح لها قلبه الذي لم يذق سوى المرارة.

وبمجرد أن اطمأن، تركت كل شيء وارتمت في أحضان البطل، مخلفة وراءه حطام رجل بكى في ذلك اليوم حتى جفت عيناه، متمنيا فقط أن ينتهي هذا العبث.

تنقل بين الأجساد كالمشرد.

كان القاتل، والمجرم، ورجل الأعمال، والسياسي، والاستاذ، والابن الضال. تسعة وتسعون وجها لعملة واحدة هي المعاناة.

صار خبيرا في تمييز أولئك الأبطال والبطلات.

لا يحتاج لجهد، فجمالهم الفائق الذي يكسر قوانين الطبيعة، والأحداث التي تطوع الكون لخدمتهم،

كانت كافية ليقول لنفسه: "ها قد بدأت رحلة الموت من جديد".

كانت هذه حياته التاسعة والتسعين، رحلة طويلة من العذاب لم يطلبها يوما.

جلس على أريكة في منزله الجديد، يسكن جسدا غريبا عنه، لكنه يألف مشاعره جيدا.

"أها... هذا الرجل تركته حبيبته وذهبت مع رجل آخر، بحجة أنه لا يحترم قراراتها، وأنها مع الرجل الآخر شعرت بالأمان. هاهاهاها. يبدو أنها البطلة حقا... هاهاها. تبا، تبا. هاهاهاها."

أطلق ضحكة مجلجلة، ضحكة تقشعر لها الأبدان، بينما تجمدت عيناه وبردتا كقطعتي ثلج.

لقد تذوق في هذه المئتي عام كل أصناف الألم.

مات غدرا، أهين علنا، خين من أقرب الناس، وعذب حتى تمنى الفناء.

"تبا لك يا رجل، ألا تعرف القاعدة الأولى للبقاء على قيد الحياة؟ كي تعيش في هذا الجحيم." تمتم بصوت خافت وهو يصارع المرارة في حلقه. "لا تقترب من البطلة.. اهرب.. اختف.. تلاش من محيطها."

لكن القدر كان يسخر منه في كل مرة.

في كل انتقال، وجد نفسه مجذوبا كالمغناطيس نحو مدار البطلة.

لم يختبر يوما حياة واحدة، ولو لمرة، تكون بعيدة عن تلك الدائرة الملعونة.

هذا التكرار القسري أنبت في صدره كراهية لم تعد الكلمات تكفي لوصفها.

كراهية سوداء، مرعبة، تتغذى على ذكريات مئتي عام من الإذلال.

كان يفكر: "لو قرأ أحدهم هذه القصة من منظور البطل، سيحب هؤلاء البطلات، سيراهن رقيقات ومظلومات.. لكن حين تسكن جسد الشرير التي تذبح ليرتقي البطل، ستعرف المعنى الحقيقي للمرارة."

لقد ضاع عمره وهو وقود لقصص الآخرين.

عاش مئات السنين في نفس العالم، يذوق نفس السم بأسماء مختلفة.

لا مهرب، لا مخرج، فقط دائرة مغلقة من الموت والبعث.

نهض ببطء، جسده المكتئب يثقل حركته، وتوجه إلى غرفة النوم.

فتح الخزانة، وبحث بين الثياب حتى وجده.

جلس على حافة السرير، يتأمل السلاح في يده بعينين خاويتين من أي بريق.

رفعه ببطء، ووضع الفوهة على رأسه.

"لماذا لا أستطيع قتلهم بينما يقتلونني هم في كل مرة ببساطة؟" همس بمرارة.

تذكر محاولاته السابقة.

حين كان غنيا، حين كان سياسيا قويا، حاول أن يقتل، أن ينتقم، أن يكسر الحبكة..

لكن العالم كان يتآمر ضده.

إما يسجن، أو يقتل، أو تتدخل الصدفة لإنقاذ البطلة.

عرف حينها الحقيقة القاسية: الشخصيات الثانوية هي مجرد أدوات، حتى لو كانوا رؤساء دول، سينتهون دائما تحت أقدام البطل.

"أندرو.. أندرو.. هاهاهاها." نطق اسمه الحقيقي، الاسم الذي نسيه الجميع منذ حياته الأولى. "أندرو، لماذا أنت بالذات؟ لماذا أصبحت أضحوكة العالم لعشرات المرات؟ ماذا فعلت لأستحق هذا؟"

بدأت ضحكاته تتعالى بجنون، وعيناه المحمرتان تنضحان ببرود مرعب.

ضغط بيده على المسدس، شعر ببرودة المعدن تخترق جمجمته.

في كل حيواته السابقة، كان ينتظر الموت ليأتي من الآخرين، لكن هذه المرة، قرر أن يكتب النهاية بنفسه.

"أقسم أنني لن أمشي في هذه الحبكة اللعينة مرة أخرى.. إما أن أقتل نفسي، أو لن يقتلني أحد!"

استعد للضغط على الزناد، وفي تلك اللحظة الحرجة، اخترق صمته صوت آلي مرتعش، صوت لم يسمعه طوال قرنين من الزمان.

[تحذير! تحذير! انتظر أيها المضيف! لا يمكن أن تفعل هذا! انتظر!]

توقف أندرو، إصبعه تجمد على الزناد، وعيناه ازدادت احمرارا.

لقد ظهر النظام أخيرا..

ولكن لماذا الآن؟

ولماذا صوته يرتجف هكذا؟

[عليك أيها المضيف أن تكمل الحبكة.. يجب أن تكملها.. لا يمكنك الموت الآن!]

"كما توقعت.." تمتم أندرو، وابتسامة ساخرة مريرة ترتسم على وجهه وهو ينظر إلى الفراغ. "هذه مجرد مسرحية، وأنا وقودها.. أليس كذلك؟"

[أجل.. لا يمكنك فعل هذا، يجب أن تكمل الدور المسند إليك.]

"لا أريد." قالها بكل بساطة وبرود.

[ولكن..]

"لا أريد!" صرخ أندرو، ثم استدرك بهدوء مرعب: "أنت المسؤول عن إعادتي في كل مرة، أليس كذلك؟ قل لي.. لماذا لم تظهر من قبل؟ لماذا تركتني أمزق إربا في كل مرة دون أن تساعدني؟"

ساد صمت قصير، قبل أن يجيب النظام بنبرة يملؤها الخوف، خوف حقيقي من الفناء: [أنا.. وظيفتي هي الإشراف على إكمال الحبكة فقط.. أرجوك أبعد السلاح يا أندرو، دعنا نتحدث.. موتك يعني نهاية الحبكة، ونهايتي أنا أيضا.]

انفجر أندرو بالضحك، ضحك لدرجة أنه كاد يسقط من على السرير.

كان يضحك على النظام، على القدر، وعلى نفسه.

لقد وجد أخيرا نقطة الضعف في هذا العالم اللعين.

"هاهاهاها.. إذن حياتي هي ثمن بقائك؟ ممتاز.. ممتاز جدا."

****

2026/02/02 · 152 مشاهدة · 1069 كلمة
Moncefsg
نادي الروايات - 2026