الفصل 5: بنتهاوس كريستال بارك
وصلت سيارة اللامبورغيني فينينو إلى بوابة مجمع كريستال بارك السكني، وهو واحد من أرقى المجمعات التي لا يدخلها إلا الصفوة.
تقدم حارس الأمن بخطوات سريعة ومهذبة، محاولا استكشاف هوية السائق خلف زجاج السيارة الداكن.
"سيدي، لم يسبق لي رؤية هذه السيارة هنا من قبل. هل تشرفني باسمك أو رقم الوحدة للمساعدة؟" سأل الحارس باحترام شديد.
رد أندرو بنبرة مقتضبة وباردة: "أنا صاحب الشقة رقم V99".
اندهش الحارس، فالشقة V99 هي البنتهاوس الذي يتربع على قمة المجمع. [١]
"يبدو أنه من أبناء العائلات الفاحشة الثراء، أو لعله رجل أعمال." فكر في نفسه.
ثم عاد التفكير يلح عليه "لا يمكن لشاب كهذا أن يقود سيارة بهذه الفخامة، ولا أن تكون الشقة رقم 99 ملكا له، إلا إذا كان من أبناء إحدى العائلات العريقة ذات النفوذ".
قطع ذهوله بصوت أندرو وهو يسأله: "هل تجيد قيادة السيارات الرياضية؟".
"نعم يا سيدي، أركن السيارات هنا دائما، لكن للأمانة.. لم يسبق لي أن رأيت شيئا بقوة هذه الفينينو" أجاب الحارس بصدق وهو ينظر بذهول إلى تصميم السيارة الانسيابي.
نزل أندرو من السيارة، وألقى المفتاح للحارس بلامبالاة وكأنه يسلمه غرضا تافها، ثم توجه نحو الداخل.
**
ما إن وضع قدمه داخل المجمع حتى استقبله تيار من الهواء النقي المعبأ برائحة الزهور والأشجار المعتنى بها بعناية.
كان المكان أشبه بجنة معزولة عن ضجيج المدينة.
مساحات خضراء شاسعة ونوافير مياه تعطي شعورا بالراحة.
يتكون المجمع من أربعة مبان بارتفاع عشرة طوابق، لكن في المنتصف تماما، يرتفع برج شاهق من 25 طابقا تحيط به حدائق خاصة، وهو المبنى الذي يقصده أندرو.
دخل أندرو الردهة الفاخرة للمبنى الرئيسي، وتوجه للمصعد ضاغطا على زر الطابق الأخير.
وبحركة لا إرادية، أخرج سيجارة ووضعها بين شفتيه، ثم بدأ يفتش جيوبه بحثا عن ولاعة.
"اللعنة.. هل تركتها في السيارة؟" تمتم بضيق وهو يستمر في البحث دون جدوى.
فجأة، جاءه صوت ناعم من زاوية المصعد: "التدخين هنا غير قانوني، إذا كنت تريد التدخين فعليك الخروج من المبنى".
التفت أندرو ببطء.
لم يكن قد انتبه لوجودها من قبل بسبب انشغاله.
كانت شابة في غاية الأناقة والجمال، تنظر إليه بنبرة تحمل نوعا من السلطة والاعتزاز بالنفس.
نظر أندرو إلى عينيها ببرود تام، ودون أن يعتذر أو يظهر أي اهتمام بجمالها، سألها بجفاف: "هل تملكين ولاعة؟".
اتسعت عينا الشابة بصدمة.
لم يسبق أن تجرأ أحد على تجاهل ملاحظتها بهذه الطريقة، بل وبوقاحة يطلب منها ولاعة.
"هل يظن أنني أدخن؟ كيف يجرؤ؟" قالت في نفسها بغيظ.
"لديه الجرأة على إهانتي، أنا وريثة شركة سكاي لاين.. يبدو أنه لا يدرك مع من يتعامل، سأريه..".
لم تجبه بكلمة واحدة، واكتفت بالصمت وهي تشيح بنظرها عنه، بينما ظل أندرو واقفا ببروده المعتاد، والسيجارة لا تزال معلقة بين شفتيه، غير مكترث بوجودها من الأساس.
ما إن توقف المصعد عند الطابق العشرين حتى اندفعت الفتاة للخارج بخطوات سريعة، لكنها قبل أن تسمح للأبواب بالإغلاق، استدارت ووجهت له إصبعها الأوسط بجرأة غير متوقعة.
نظرت إليه باحتقار وقالت بصوت حاد: "تبا لك أيها العجوز.. أتظن أنني قد أدخن مثلك؟ في المرة القادمة حين تجد نفسك في مصعد مع فتاة جميلة وأنيقة مثلي، تعلم كيف تحترمها وإلا سيتكرر ما حدث الآن. إلى اللقاء أيها العجوز المزعج!".
انغلقت الأبواب وتركته في حالة من الذهول.
ظل أندرو واقفا في المصعد بذهول بينما كانت الأرقام تتصاعد ببطء نحو الطابق الخامس والعشرين.
"عجوز؟" تمتم بصوت خافت وهو يلمس فكه، وارتسمت على وجهه ابتسامة.
"فتاة مجنونة.." لم يكترث بها، فهو يعلم يقينا أنها لو كانت ذات شخصية قوية لما تركت نفسها تهرب بهذه السرعة.
ولكنه لن ينسى ما قالته، فهو يعلم أن الأيام ستجمعهما مرة أخرى.
أولم يقسم ألا يهان في هذه الحياة، وبالأخص على يد النساء؟
توقف المصعد أخيرا، وفتحت الأبواب على رواق طويل وهادئ بشكل مريب.
السجاد الفاخر يمتص صوت الخطوات، والإضاءة الخافتة على الجدران تعطي للمكان طابعا من الفخامة المنعزلة.
مشى أندرو نحو الباب الوحيد في نهاية الممر، حيث كتب عليه رقم V99 بقطع معدنية سوداء لامعة.
"شقة واحدة في طابق كامل.. الخصوصية هي العملة الأغلى هنا على ما يبدو،" قال في نفسه وهو يمرر البطاقة على القفل الإلكتروني.
بمجرد سماع صوت الطقة الخفيفة، فتح الباب ليتراجع أندرو خطوة إلى الخلف من هول المنظر.
لم تكن مجرد شقة، بل كانت قصرا معلقا في الهواء.
أول ما واجهه هو صالة الاستقبال الواسعة، حيث كانت الجدران عبارة عن زجاج ممتد من السقف إلى الأرض، يكشف عن أضواء المدينة التي بدت كأنها نجوم تحت قدميه.
الأرضية من الرخام الأسود المصقول الذي يعكس الإضاءة المخفية في السقف بشكل ساحر.
سار نحو الأريكة الجلدية الضخمة التي تتوسط الصالة، والتي كانت تقابل شاشة تلفاز عملاقة تغطي جدارا كاملا، وكأنها نافذة أخرى على عالم رقمي.
انتقل أندرو إلى المطبخ، وكان تحفة من التكنولوجيا والجمال.
أسطح من الغرانيت الرمادي، وأدوات كهربائية مدمجة داخل الجدران لا تظهر إلا عند اللمس.
كل شيء كان يلمع كأنه لم يلمس من قبل.
فتح ثلاجة ضخمة مخفية خلف باب خشبي فاخر، ووجدها فارغة تماما، فابتسم بسخرية: "سأموت جوعا.. لا مال في يدي الآن، تبا، يبدو أن الصبر حتى منتصف الليل سيكون حتميا."
تابع سيره نحو غرفة النوم الرئيسية.
كانت المساحة هناك كافية لتكون شقة بحد ذاتها.
السرير يتوسط الغرفة بتصميم عصري ومنخفض، يواجه واجهة زجاجية أخرى تكشف عن أفق المدينة.
وبجانبه باب زجاجي منزلق يؤدي إلى الشرفة الخارجية.
عندما خرج إلى الشرفة، شعر بلسعة الهواء البارد في هذا الارتفاع الشهيق.
هناك، كانت المفاجأة الكبرى.
***
[١] البنتهاوس: شقة فاخرة تقع في الطابق الأخير، واسعة ومضيئة... تطل على المدينة بإطلالة ساحرة، تضم شرفات كبيرة وغرفا أنيقة، تمنح سكانها خصوصية ورفاهية لا مثيل لها.