الفصل 4: لا تضيعي الفرصة يا جين
نظرت إليه جين، ولم تكن هناك ذرة من الندم في عينيها.
بل قامت بتعديل جلستها وهي تلتف حول كايل، وقالت بصوت حاد: "اصمت! كل ما حققته كان بجهدي وذكائي أنا. أنت لم تكن سوى أحمق غبي وضعت ثقتك في الشخص الخطأ. تلومني لأنك كنت ساذجا بما يكفي لتصدق أنني قد أحب شخصا مثلك؟ أنا في حياتي لم أقل إنني أحبك، أنت من توهمت ذلك."
تلك الكلمات كانت أقسى من العظام التي كسرت في جسده.
كانت الطعنة التي لم يستطع قلبه الشفاء منها.
ضحك كايل وهو يمسك بخد جين، يداعب وجهها بنفس اليد التي كانت جين تقبلها قبل قليل، ثم نظر إلى أندرو باشمئزاز وقال: "لا توجعي رأسك يا حبيبتي، الحثالة يبقى حثالة مهما ارتدى من حلل غالية. لقد انتهى دوره الآن، وحان وقت التخلص من القمامة."
تلك الذكرى مرت في عقل أندرو كشريط سينمائي محترق.
شعر بنفس الألم في قلبه، نفس الغصة التي جعلته يتمنى الموت في تلك اللحظة.
الخيانة ليست مجرد فعل، الخيانة هي أن تمنح أحدهم السكين وتقول له احمني، فيغرسها هو في منتصف ظهرك وهو يبتسم.
لا يعرف أندرو لماذا في كل مرة يقع قلبه في حب البطلات.
لا يعلم السبب، وكأنه شيء غير مرئي يجبر قلبه على حبهم.
نعم هناك مرات حاول فيها ألا يحبهم، بل حاول قتلهم،
ولكن في أغلب الأحيان ينهار قلبه ويستسلم للحب رغم كل شيء.
**
كادت رغبة أندرو في الانقضاض على جين تخرج عن سيطرته.
اعتصرت قبضة يده بقوة حتى ابيضت مفاصله وتوترت عروقه، بينما كانت مخيلته تنسج ابتسامة مرعبة لا يراها أحد غيره.
كان عقله يغلي بصور شتى لموتها، يقلب في رأسه الطريقة المثالية لانتزاع روحها.
كيف يقتلها؟
وبأي وسيلة سيجعلها تلفظ أنفاسها الأخيرة؟
لكنه كبح جماح وحشه الداخلي فجأة حين تذكر حقيقتها في هذا الوقت.
جين ليست سوى موظفة بسيطة، مجرد حلقة ضعيفة في أسفل السلسلة الغذائية لهذا المجتمع.
امرأة لا تملك سلطة ولا نفوذا، تعيل عائلة تعتمد عليها في كل شيء، ولا صلة لها بالبطل في هذا الوقت..
همس لنفسه بنبرة يملؤها السواد: "إذن.. يبدو أنني سأستخدم أساليب أكثر إثارة للرعب قليلا".
ثم انطلقت ضحكة صامتة في أعماق روحه وهو يتخيل شكلها.
"يا إلهي، كيف ستكون نظراتها عندما أضع عائلتها بين يدي؟" . استرسل في خياله المريض، يتلذذ بالتفكير في الطرق التي سيعذبها بها، دون أن يرف له جفن.
الأخلاق؟
يالها من كلمة مضحكة.
تساءل أندرو وهو يقلب ذكرياته الأليمة: هل منعتهم أخلاقهم حين سحقوا روحه بدم بارد؟
لماذا عليه هو أن يراعي المحرمات بينما استباحوا هم كل شيء فيه؟
في هذه الحياة، قطع أندرو العهد الأخير مع ضميره.
لن يقيد نفسه بخطوط حمراء، ولن يلتفت لقوانين البشر.
سيغوص في وحل الأفعال الشنيعة واللاأخلاقية بكل لذة، ما دام ذلك هو السبيل الوحيد ليغذي وحش الانتقام القابع في أعماقه ويسترد حقه من عالم لم يرحمه يوما.
لكنه، في الوقت ذاته، كان يدرك جيدا أن عليه التحلي بالذكاء.
فلا يمكنه تدمير مستقبله من أجل انتقام واحد تافه، بينما ينتظره في الأفق طابور طويل من الأبطال والبطلات والعائلات التي يخطط لسحقها.
عليه أن يدير الأمر بروية بالغة.
"يبدو أنني سأرمم علاقتي بحبيبتي جين.."، فكر بخبث وهو يرسم ملامح خطته القادمة.
وبينما كان غارقا في نشوة أحلامه المظلمة، اخترق صوت المدير ويليامز فجأة جدار أفكاره، ليعيده قسرا إلى الواقع.
"سيد أندرو... ما الذي يحدث لك؟ لماذا تبدو هكذا؟" تعجب ويليامز من وقوف أندرو ساكنا، وقد اختفت المشاعر من على وجهه بينما يحدق بالحائط.
استعاد أندرو رباطة جأشه سريعا، ثم اتجه إلى داخل المكتب بعد أن طمأن ويليامز بإيماءة خفيفة.
وبعد دقائق، انتهت الإجراءات، فوقع أندرو على بعض المستندات، وتسلم أوراق الملكية والمفتاح.
"تهانينا يا سيد أندرو بحصولك على أفضل شقة في مجمع كريستال بارك،" قال ويليامز بحماس.
"وهذه بطاقة أعمالي، إذا احتجت إلى أي شيء، فقط أخبرني." ووضع بطاقته على المكتب، متمنيا أن يأخذها أندرو.
لم يمانع أندرو في أخذها، فقد يحتاج هذا المدير لاحقا في إحدى خططه.
حول أندرو نظره، لتستقر عيناه على جين الواقفة بجانب ويليامز.
"آنسة جين..." نطق أندرو باسمها بنبرة هادئة حملت في طياتها برودا خفيا.
وتابع وعيناه ثابتتان عليها: "هل لي برقمك الشخصي؟ أود دعوتك غدا لتناول وجبة معا".
أخرج هاتفه من جيبه بحركة رشيقة وقدمه لها، مرتسما على وجهه تلك الابتسامة الودودة التي جعلت وسامته تبدو طاغية ومطمئنة في آن واحد.
قناع مذهل لم يترك مجالا للشك في نواياه.
تسمرت جين في مكانها، واتسعت عيناها بذهول بينما غزا الاحمرار وجنتيها فجأة.
دارت الأفكار في رأسها كالعاصفة: "رقمي الشخصي؟ دعوة غداء؟ هل يعقل أنه معجب بي؟ لكن لماذا أنا؟ لا.. هذا مستحيل، كيف لرجل بمستواه أن ينجذب لامرأة مثلي؟".
غاصت في بحر من الارتباك، وعجز لسانها عن صياغة جملة مفيدة.
هنا تدخل ويليامز، الذي كان يراقب الموقف بابتسامة مشجعة، ليحسم ترددها قائلا: "جين، السيد أندرو يبادر بطلب لطيف ويظهر حسن نيته، لا داعي لكل هذا الخجل، لا تحرجيه".
وتحت وطأة الارتباك وضغط الموقف، تناولت جين الهاتف بيدين ترتجفان قليلا، وكتبت رقمها بسرعة بينما كانت حرارة الخجل تصعد إلى وجهها.
وبعد لحظات، أعادت الهاتف إليه.
غادر أندرو المكتب بعد أن ودعهما، رافضا مرافقتهما إلى الخارج.
"إنه شاب غني ووسيم ولبق... جربي حظك يا جين، لا تضيعي الفرصة،" همس ويليامز وهو ينظر إلى ظهر أندرو المغادر.
أومأت جين بخجل، وقلبها يخفق بسرعة.
كانت تدرك أنه ثري ووسيم، وكل شيء فيه يجذب الانتباه، لكنها لم تكن واثقة إن كانت تستحق شخصا مثله.
وقف أندرو خارج المكتب، وأدار ظهره للباب المغلق.
ارتسمت على وجهه الوسيم ابتسامة مخيفة.
وضع يده على وجهه، محاولا كبح ضحكة كادت تنفجر من صدره.
كانت نيران باردة تشتعل في أعماقه.
"جين ويستون..." تمتم بصوت منخفض، مليء بالسخرية والمرارة.
لم ينس لحظة واحدة ما فعلته به في تلك الحياة.
لم يكن يريد نهاية سريعة لها... كان يريد أن ترى كل شيء ينهار أمام عينيها.
أراد أن يرى كبرياءها يتحطم تدريجيا.
أراد أن يجعلها تدرك حجم الألم الذي عاشه بسببها.
ثم بعد ذلك... سيمنحها النهاية التي تستحقها.
استدار أندرو وسار نحو المخرج، بينما ارتسمت على شفتيه ضحكة منخفضة وباردة.
"لن يكون الأمر ممتعا إن انتهى بسرعة..."
خرج من المبنى بخطوات هادئة، وعيناه تلمعان ببرود مظلم.
"لنبدأ اللعبة من جديد..."