قابضًا على "أنشودة الشمس" عند صدره، وقلبه يضج بالشكوك، سار فينسنت في أرجاء الكنيسة التي لفها الصمت. انعكس نور القمر عبر ألواح الزجاج الملون، فصَبَغَ رداء الكاهن خاصته بوهج باهت من كل جانب.
فبسبب حلول الليل، كان لا يزال يضع عصابة على وجهه، حائلًا بذلك دون أن تتطلع عيناه إلى "القمر الأسمى".
في غابر الأيام، كان يرى هذا الفعل ضرورةً للإجلال، يبرهن به المؤمنون عن تواضعهم ويدفعون ثمنًا لحماية "القمر الأسمى" وقوته.
أما الآن، فقد بدأت الشكوك تنمو في صدره. فبينما ينبغي على الأتباع أن يتحلوا بأقصى درجات الاحترام لـ"الكائن الأسمى" الخاص بهم، فإن عدم القدرة على رؤية صورته الحقيقية بدا أمرًا غريبًا بعض الشيء.
لقد آمنوا بـ"القمر الأسمى" ودعوا باسمه. ولكن… هل كانوا ليعرفوا ما إذا كانوا يُجلّونه حقًا؟
كبح فينسنت جماح أفكاره التي تتسربل بالكفر، وقد بدأت تنبت في ذهنه كالأعشاب الضارة. أخذ نفسًا عميقًا في محاولة لتهدئة عقله وتصفية أفكاره، وهو يخطو في الممر الطويل نحو كابينة الاعتراف حيث يتمركز "الرسول السابع".
كانت الكنيسة التي يقطنها "الرسول السابع" ضخمة الأرجاء، تعلوها قباب شاهقة ترمز لعظمة "الكيان الأسمى". تراءت فيها نوافذ زجاجية ملونة غاية في الروعة، وتماثيل بيضاء مهيبة في كل زاوية، وفوق الجميع كوة سقفية دائرية غمرت بضوء القمر كل من ولج عتباتها.
تقع القاعة الرئيسية في قلب الكنيسة بأكملها، وتتسع لأكثر من ألف شخص. يحيط بها من الجانبين أرباع سكن الكهنة. أما كابينة الاعتراف الخاصة بـ"الرسول" المشرف على "الرعية"، فقد كانت محظورة على عامة الناس، ولا يُسمح بالدخول إليها إلا للكهنة وحدهم.
تُعد "كنيسة القبة" العقيدة الأكثر انتشارًا في "أزير"، والمكان الذي يحتك فيه عامة الناس أكثر بـ"الكائنات الخارقة".
غير أن الحقيقة هي أن "الرسول" لا يستقبل سوى "الكائنات الخارقة".
تتألف "كنيسة القبة" من البابا والقديسات والمبشرين والكهنة والراهبات ورجال الدين، في تسلسل رتب تنازلي.
لا يوجد سوى "بابا" واحد، يُنتخب بحق إلهي خالص. وهناك قديستان اثنتان، تمثلان جانبي "القمر الأسمى" المضيء والمظلم، وتتوليان مهمة تبليغ "الكلمة المقدسة".
سبعة رسل، تُصاغ ألقابهم وفقًا لأطوار "القمر الأسمى"، ولكل منهم قواه الخاصة: "الجديد"، "الهلال المتزايد"، "الأحدب المتزايد"، "البدر"، "الأحدب المتناقص"، "الهلال المتناقص"، و"الظلام".
كان فينسنت ينتمي إلى "رعية" "رسول قمر الظلام".
جاب "المبشرون" الأرض، ناشرين إيمان "كنيسة القبة" في كل مكان يحلون به. لم يختلف نطاق عملهم كثيرًا عن عمل "الكهنة"، وكأنهم "كهنة" موفدون.
يرجع سبب علو رتبة "المبشرين" على "الكهنة" إلى أنهم كانوا مقاتلي "كنيسة القبة"، و"كهنة" يمتلكون براعة قتالية فائقة. وبالمقارنة مع "الكهنة" المتخصصين في "الشفاء"، حظي "المبشرون" بتفضيل أكبر من المستويات العليا في الكنيسة. وهكذا، كان "الكهنة" يُعَدون كسلع ذات عيوب طفيفة، ولا يُرسلون إلا لتعليم العقيدة لعامة الناس.
أما "الراهبات" و"رجال الدين"، فما هم إلا "كائنات خارقة" بقدرات أدنى من سابقيها. ورغم كثرة أعدادهم، فقد كانوا يُغفلون في معظم الأحيان.
وضع فينسنت يده على باب "كابينة الاعتراف" الخشبي، فتردد لحظات قبل أن يدفعه ليفتحه ببطء وتروٍ.
انبعث صرير خافت مع فتح الباب، تضخم صداه في صمت الممر الخالي.
كانت "كابينة الاعتراف" غرفة صغيرة، شبه محكمة الإغلاق، باستثناء نافذة صغيرة عند أعلاها. منها، تسرب ضوء القمر الفضي الشاحب، فأضاء "الرسول" الذي يرتدي الرداء الأحمر واقفًا في صدر الغرفة.
كانت "رسول قمر الظلام" المعينة حديثًا سيدة تُدعى "فانيسا". تمتعت بشعر كستنائي طويل وناعم، ووجه جميل رقيق، وابتسامة بدت تفيض بدفء دائم لا ينقطع.
مثل فينسنت، كانت هي أيضًا معصوبة العينين، لكن ذلك لم يحد من أثرها المهدئ على كل من حولها.
كانت هذه القوة هي ما عُرف بـ"نطاق الصمت" الخاص بـ"رسول قمر الظلام". بالطبع، لم يكن هذا سوى أثر سطحي ناجم عن تسربها. أما حين تتفعل القوة الحقيقية، فتتحول إلى قدرة إخماد شاملة، تجعل "الأثير" في منطقة واسعة خامدًا وغير قابل للاستخدام. وفي ساحة المعركة، كان هذا يُعد سلاحًا فتاكًا لا محالة. [ ترجمة زيوس]
للأسف، قضى "رسول قمر الظلام" السابق شهيدًا أثناء تصديه لغزو من "وحوش الأحلام". ولهذا، انتخبت "القديسات" و"البابا" أحد "المبشرين" ليغدو "الرسول السابع"، ويُنعم عليه بالقوة.
حنى فينسنت رأسه ودلف إلى الداخل، وبصوت مرتعش انحنى قائلًا: “يا صاحبة السعادة، لقد أذنبت.”
كانت فانيسا حديثة العهد بهذا الدور، وكانت هذه أول مرة يأتي فيها "كاهن" يسعى إلى المغفرة والتوبة.
بيد أن هذا لم يكن أمرًا غريبًا على الإطلاق. فقد كان إيمان "القمر الأسمى" منتشرًا على نطاق واسع لدرجة أنه لم يكن من النادر أن يعترف "رجال الدين" بخطاياهم أمام سلطة أعلى، ويلتمسون الغفران.
سألت فانيسا بابتسامة حانية: “الأب فينسنت، كيف أذنبت؟”
“تكلم بالحق لـ"القمر الأسمى"، وتب بإخلاص، وأصلح دروبك بعقل يقظ، فإن "القمر الأسمى" سيبقى رحيمًا على الدوام.”
أتقن فينسنت هذه الكلمات عن ظهر قلب، ولطالما رددها على مسامع المؤمنين مرارًا وتكرارًا. ولكن الآن، بدا له الأمر غريبًا بعض الشيء أن يكون هو من يتلقاها.
تخلص من تلك الأفكار المركبة، وركز على تمثيله المتقن. كان "صاحب المكتبة" على حق؛ لم يكن بوسعه إظهار أي تردد. فبصفته "كاهنًا" يمتلك إيمانًا راسخًا بـ"الكنيسة"، كان عليه الإبلاغ فورًا عن كل هذه التجاوزات بصدق، حتى لا يرتاب أحد في أن شيئًا ما ليس على ما يرام. اتبع فينسنت النص الذي أعده: “أنا… أنا أشعر بعدم الارتياح الشديد مؤخرًا.”
تراجعت الابتسامة عن وجه فانيسا قليلًا: “عدم ارتياح؟”
أجاب فينسنت بخجل: “نعم، غالبًا ما يغمرني القلق والانزعاج، وأجدني عاجزًا عن "التأمل". أصاب بضيق في التنفس، ويسري الرعشة في جسدي كله. كما أنني كثيرًا ما أسمع أصواتًا وأرى أشياءً…”
“انتظر،” بقيت ابتسامة فانيسا الرقيقة على محياها، ثم أردفت: “هذا ليس ذنبًا، أيها "الأب".”
هز فينسنت رأسه: “الرجاء الاستماع إليّ. في البداية ظننت أن الأمر ناجم عن انشغالي في الآونة الأخيرة، لكنه أخطر بكثير مما توقعت.”
بعد أن وصف أعراضه بتفصيل دقيق، تفوه بكلماته في حالة من الذعر: “يا صاحبة السعادة، أنا… أنا رأيت "القمر الأسمى" في هلوساتي! لقد أذنبت!”
طرأ تغيير دقيق على تعابير وجه فانيسا، واكتست عيناها ببرودة عابرة للحظات. بيد أنها سرعان ما عادت إلى مظهرها الودود والمطمئن وهي تواسي فينسنت، قائلة: “لقد رأيت "القمر الأسمى"؟ هل أنت متأكد من أنه "القمر الأسمى" الذي رأيته حقًا؟”
“أنا… لم أره من قبل، لكنني سمعت أوصافًا له. ينبغي أن يكون "القمر الأسمى" وقد كان في الماء.” ثم تساءل فينسنت: “يا صاحبة السعادة، ماذا عساني أفعل؟ هل أنا لست "ورعًا" بما يكفي…؟”
أجابت فانيسا، والابتسامة لم تفارق محياها: “لا يهم ذلك. فذاك ليس "القمر الأسمى" الحقيقي، بل هو مجرد نسج خيالك. لم ترَ "القمر الأسمى" من قبل، أليس كذلك؟”
“لا تقلق حيال هذا الأمر. كل ما تحتاج إليه هو قسط وافر من الراحة. لقد كنتَ من بين أولئك الذين نالوا "جوهر القمر المقدس" قبل فترة. فلتستخدم منه المزيد إن شعرت بعدم الارتياح، وإنني على يقين بأنك قد خبرت فعاليته. وإذا شعرت أنك لست "ورعًا" بما فيه الكفاية، فلتدع "جوهر القمر المقدس" يرشدك إلى حماية "القمر الأسمى".”
تظاهر فينسنت وكأنه اقتنع اقتناعًا تامًا، واستمر في الحديث مع فانيسا لبرهة من الزمن قبل أن يستأذن بالانصراف.
تلاشى وهج ابتسامة فانيسا بمجرد أن غاب فينسنت عن بصرها.
“أحضروا لي سجلات مراقبة فينسنت،” أمرت ببرود. “ماذا كان يفعل مؤخرًا؟”
ظهر خادم فجأة إلى جانبها، فمد إليها قطعة من الشمع الأبيض.
لم يدرك فينسنت أنه، هو ورفاقه من "رجال الدين" الذين مُنحوا "جوهر القمر المقدس"، كانوا في الحقيقة يُراقَبون سرًا عبر "شعاراتهم المقدسة".